سيرة العفة: الأرملة الفاضلة في كوريا

خلال عهد مملكة "جوسون"، وفي ظل الفكر الكونفوشيوسي الصارم كانت عفة المرأة الأرملة تُعد وصية اجتماعية مشددة، وواجبًا مفروضًا تجاه زوجها الراحل حفاظًا على شرف العائلة وامتثالًا لعادات المجتمع وتقاليده، وفي هذه المقالة سنسعى إلى فهم سبب تلقيب الأرملة الكورية بـ"المرأة الفاضلة"، ولماذا كانت تُكرم من قِبل الدولة والمجتمع؟، وما الذي تمثله هذه المكانة في الثقافة الكورية التقليدية؟

 

ما هو مفهوم المرأة الفاضلة؟ خلال عهد مملكة "جوسون"، وفي ظل الأعراف الكونفوشية الصارمة كانت الأرملة تُوضع في موضع اختبار أخلاقي عظيم فإذا فقدت زوجها سواء في صباح زفافها فتُلقب حينها بـ"مانجمونجوابو" أو خلال فترة زواجهما فإنها تُجبر اجتماعيًا على الالتزام بممارسات صارمة تُجسد مفهوم الوفاء الأبدي في أبشع تجلياته ومن الممارسات التي فُرضت على الأرملة كانت: الامتناع التام عن الزواج مرة أخرى، والعيش في ظل ذكرى الزوج الراحل، بل قد يبلغ بها الولاء والعفة حدًّا قاسيًا من التضحية بالنفس كأن تُقيم بجانب قبره أو تمتنع عن الطعام أو تُقدِم على الانتحار خاصة إذا لم يكن لهما أبناء، ولأجل ذلك كانت الأرامل أحيانًا يحملن خنجرًا صغيرًا يُعرف بـ"الخنجر الفضي" لا لحماية أنفسهن من خطر خارجي بل كأداة لإنهاء حياتهن طوعًا متى ما استُشعر خطر على شرفهن أو وُضع ولاؤهن قيد الشك أو ببساطة ليُثبتن صدق حبهن لمن رحل.

المرأة التي تلتزم بهذه القيم المثالية من العفة والوفاء تُلقب في الثقافة الكورية بـ "يُولْنْيُو" أي المرأة الفاضلة، وقد تُكرم بوسام فريد من نوعه: بوابة حجرية تُبنى باسمها وتُدعى "يُولْنْيُو مون" أي بوابة العفة لتظل شاهدًا خالدًا على شرفها وتضحيتها.

 

           القانون والقيود الصارمة
في السنة الثامنة من حكم الملك سيونغجونغ (عام ١٤٧٧م)، صدر قانون يحظر إعادة زواج النساء الأرامل، وامتد المنع ليشمل حتى أحفادهن حيث مُنعوا من تولي المناصب العامة. كانت رسالة هذا القانون جلية: إن إعادة الزواج لا تُعد عارًا على المرأة فحسب بل إن وصمة هذا "العار" قد تُغلق الأبواب أمام مستقبل ذريتها أيضًا بمعنى آخر: "من تفقد عفتها تفقد نسلها الشرف والفرص".

 

الخروج عن القيد من خلال الاختطاف الرمزي: "تقليد بوسام"

رغم هذه القيود الصارمة نشأ تقليد شعبي يُدعى "بوسام" (اللف بقطعة قماش)، وهو شكل من أشكال الاختطاف الرمزي الذي يتيح للأرملة الزواج مجددًا دون انتهاك ظاهر للقانون في هذا التقليد يقوم رجل عادة أعزب أو أرمل بـ"خطف" الأرملة بموافقتها و أهلها ليظهر الأمر كما لو أن الزواج قد أُجبر عليه، وليس برغبتها، وكانت السلطات تتغاضى عن هذه الممارسة معتبرة إياها حلًا وسطًا للهروب من صرامة القوانين دون كسرها فعليًا.

 

تعليم العفة: نظام مؤسسي وترسيخ القيم

العفة لم تكن مجرد مطلب اجتماعي بل نظامًا تعليميًا مؤسسًا حيث كانت النساء وخصوصًا الأرامل يتلقين تعليمات صارمة في الطاعة والوفاء منذ سن مبكرة من خلال المدارس المخصصة للبنات والمجالس المنزلية إضافة إلى الكتب التعليمية التي سعت لترسيخ "أخلاقيات المرأة الفاضلة" المعروفة بثلاث طاعات: الطاعة للأب قبل الزواج، والطاعة للزوج بعد الزواج، والطاعة للابن الأكبر في حال الترمل مثل كتاب "ناهن هون" الذي ألفته الملكة الأرملة "إنسو" في القرن الخامس عشر، والذي أصبح لاحقًا جزءًا من المنهج المدرسي.

 

إرشادات صارمة من "دروس العفة": في ما يلي بعض النماذج من التعليمات التي كانت تُفرض على النساء خصوصًا الأرامل بوصفها جزءًا من السلوك المثالي:

١) الفصل الصارم بين الجنسين: يجب ألا يجلس الرجال والنساء معًا، ولا يجوز لهما تمرير الأشياء مباشرة من يدٍ إلى يد حتى في أوقات العزاء أو الحداد. كان يُطلب استخدام أدوات مثل السلال أو العيدان الخشبية لتبادل الأغراض درءًا لأي "اتصال جسدي غير لائق".

٢) الطاعة الخالصة للسلطة العائلية: كان على الأرملة أن تستجيب فورًا وبأدب بالغ لأي نداء يصدر عن والدة زوجها. لا يحق لها أن تتكاسل أو تتراجع أو تُظهر أي تصرف "غير لائق" كالتجشؤ أو العطس أو السعال أو حتى الوقوف على قدم واحدة فكل حركة تُعد مؤشرًا على "قلة الأدب".

٣) الصمت والاحتشام التام: تُمنع الأرملة من الحديث مجددًا عن الأشخاص الأكبر سنًا أو انتقادهم أو التحدث عن أخطاء الآخرين كما يُحظر عليها التورط في أي سلوك يُعتبر مسيئًا أو فضوليًا، ويُشجع على التزامها الصمت التام بشأن عيوب الغير أو أسرارهم.

 

يجب أن ترتدي الأرملة اللون الأبيض دائمًا تعبيرًا عن الحداد والوفاء للزوج الراحل، ويُمنع خروجها من المنزل إلا للضرورة القصوى، وإذا اضطرت للخروج عليها أن ترتدي رداءً يغطي الرأس والوجه جزئيًا مع أن تظل نظراتها منخفضة متجهة إلى الأرض احترامًا للحشمة والوقار.

 

استغلال نظام "بوابة النساء الفاضلات" وتجاوزاته: في بعض القرى وقع استغلال فاضح لنظام "بوابة النساء الفاضلات" حيث تم قتل أشخاص عاديين وتحويلهم زورًا إلى نساء فاضلات بهدف إقامة نصب تذكارية والحصول على مزايا مثل الإعفاءات الضريبية أو المكافآت المالية للقرية كما أُجبرت الأرامل في أحيان كثيرة على الانتحار أو تعرضن للقتل القسري، وفي حالات أخرى كانت بعض النساء تؤذين أنفسهن مثل قطع أصابعهن خوفًا من إجبارهن على الانتحار.

كانت السلطات الرسمية ترد بحزم على هذه الانتهاكات فكانت المحاكم تفرض عقوبات صارمة على القرى التي يُكشف فيها هذا الاستغلال تشمل: إلغاء نصب النساء الفاضلات في القرية، وإعدام الجاني الرئيسي المسؤول عن الجريمة، وطرد القاضي المحلي لقصوره في توعية السكان والحفاظ على النظام الأخلاقي، وخفض رتبة المسؤولين المحليين مما يؤدي إلى تدهور وضعهم الاجتماعي وطرد بعض السكان.

 

📝 بِقلمي (يا من بيده صلاح القلوب طهر فؤادي من الريبة، واملأ روحي عفةً كنسيم الفجر، واجعلني يا رب من النساء الطاهرات اللواتي يحفظن حدودك ويخشينك في الغيب، وألبسني يا الله ثوب الطهر ما حييت).

زُمردة

تعطُّشي لِلمعرِفةِ جعلنِي مُحِبة لِتَفسِيرِ ما أقرأُ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الإِتّصال