موضوع بداية الخلق هو واحد من أكثر المواضيع إثارة للتشويق، والتي لا تُشبع الفضول لما لها من عدة تفسيرات في الديانات والثقافات المختلفة فما هي بداية الخلق في نظر الحضارة الإغريقية؟ وما هي أسطورة أورانوس مع جايا؟ وما سر ابتلاع كرونوس لأبنائه؟ هذا ما سنكتشفه في هذه المقالة.
بداية الخلق في الأساطير الإغريقية:
يعتقد اليونانيون القدماء أن الكون في بداياته كان عبارة عن فوضى وفراغ أي أنه لم تكن هناك حدود للعالم كما نعرفه لا أرض ولا سماء ولا بحار ولا جبال ولا ليل ولا نهار، ومن هذه الفوضى والتي يمكن وصفها بالهيولى (اللاشيءتلك المادة الهلامية التي تفتقر إلى الهيئة والشكل والصورة) نشأت عناصر بدائية كانت الأساس لخلق النظام، ومن هذه العناصر البدائية نشأت عدة آلهة أبرزها: غايا (الإلهة الأم التي تمثل الأرض)، وتارتاروس (العالم السفلي)، وإيروس (إله الحب)، وإريبوس (إله الظلام)، ونيكس (إلهة الليل وقرينة إريبوس).
غايا وخلق الحياة:
الإلهة غايا التي تمثل الأرض كانت تُعتبر الأم الكبرى التي خلقت الحياة. كانت تتميز بقدرتها على خلق الكائنات الحية من دون الحاجة إلى علاقة جنسية، ولذلك لقبت بـ "الإلهة الأم". من جسدها وُلد العديد من الآلهة والكائنات مثل: أورانوس (إله السماء)، بونتوس (إله البحر)، وآلهة الجبال أوريا، وغيرها العديد....
أسطورة أورانوس وغايا: تبدأ الحكاية باتحاد أورانوس (إله السماء) مع والدته غايا فأنجبا نسلًا وفيرًا انقسم إلى ثلاث مجموعات كبرى كان من بينهم: الجبابرة (أو التايتن) الذين بلغ عددهم ١٢ منهم ست فتيات (ريا، ثيميس، تثيس، ثيا، منيموسايني، فويبي) وست فتيان (كرونوس، إيابيتوس، أوقيانوس/أوشيانوس، هايبيريون، كايوس، كريوس) كان هؤلاء يتميزون بقامات ضخمة تشبه البشر، وكان لديهم قُدرات جِبارة وخارقة أما المجموعة الثانية فأنجبا فيها ٣ سياكلوب (برونتي، ستيروبس وآرجيس) الذين تميزوا بكونهم كائنات عملاقة ذات عين واحدة وقوة هائلة، والمجموعة الثالثة فتكونت من ٣ هيكاتونشاير (كوتوس، برياريوس وجيجيز) الذين امتازوا بوجود مئة يد وخمسين رأسًا، وبقوة لا تُسبر.
خاف أورانوس من هيئة أولاده المشوهين (الثلاثة هيكاتونشاير والثلاثة سايكلوب)، وكان يكرههم أكثر من أولاده الآخرين، وخوفًا من أن ينقلبوا ضده يومًا ما قام عند ولادة غايا لهم بإعادتهم بالقوة إلى جوفها ليحبسهم في رحمها ويمنعها من إنجاب المزيد.
انتقام غايا: خيانة أورانوس غضبت غايا من تصرف أورانوس، وقررت أن تنتقم منه. استعانت بأبنائها الجبابرة، وصنعت منجلاً من الصوان (وهو أداة ذات نصل مقوس)، وعندما حاول أورانوس أن يضطجع بجانب غايا باغتَه/هاجمه الجبابرة وأحكموا وثاقه من أربع جهات فنهض الابن الأصغر (كرونوس) وتولى مهمة الانتقام فقطع أعضاء والده التناسلية بذلك المنجل ثم ألقى بها في البحر، ومن قطرات الدم التي سالت من جسده نشأت كائنات أخرى أكثر وحشية (أنجبتها غايا من دمه) ومنهم: إيرينيس (آلهة الانتقام)، وحوريات شجرة الرماد (الميلياي)، والعملاق جيجانتس.
أما الخصيتان المقطوعتان فقد طَفَتا فوق أمواج البحر، ومن الرغوة البيضاء التي أحاطت بهما وُلدت الإلهة أفروديت/ فينوس (إلهة الحب والخصوبة) وقد سقط جزء من الدم المُراق على أرض صقلية فازدادت خصوبتها بينما سقط المنجل في اتجاه مضيق ميسينا، وهناك تشكل لسانٌ رفيع من اليابسة لا يزال حتى يومنا هذا يُشكل مدخل ميناء ميسينا.
مملكة كرونوس: بعد ذلك قام كرونوس بتحرير إخوته المسجونين من الهيكاتونشيرز والسيكلوبس، و بذلك أصبح الحاكم الجديد للآلهة ومَلِكَ الكون ومؤسس ما عُرف بـ"العصر الذهبي" ، وهكذا انتهى حُكم أورانوس للسلطة على الرغم من استمراره كإلهٍ للسماء في الميثولوجيا.
غير أن النصر لم يكن خالصًا فقد حمل النصر في طياته نبوءة مُفزعة إذ اجتمع كلٌّ من أورانوس وغايا وأنبآه بتحذير خطير وهو «نعم ستنجح في حياتك لكن أحد أبنائك سيُطيح بك، ويجردك من عرشك كما فعلت بأبيك، وسيسقط حكم الجبابرة من بعدك»، وهكذا بدأ الخوف يتسلل إلى قلب كرونوس فكان هذا الهاجس بداية عهدٍ جديد تتقدمه شمس القوة لكن تُظلله غيوم الرعب من المصير ذاته.
بعد أن سمع كرونوس بالنبوءة استبد به الخوف واستولى عليه الهوس إذ بات يُوقن أن أحد أبنائه سينقلب عليه كما انقلب هو على أبيه، ولدرء هذا المصير سارع إلى سجن إخوته من آل الهيكاتونشيرز والسيكلوبس في تارتاروس (أعماق العالم السفلي) خشية أن يشكلوا تهديدًا لحكمه إن تمردوا عليه ثم أقسم على أن يظل أعزب حتى لا يُنجب من قد يُسقط عرشه إلا أنه ما لبث أن وقع في حب شقيقته "ريا" فتزوجها، ومع كل ولادة كانت نبوءة أورانوس وغايا وتُغذي مخاوفه وتُؤرق روحه حتى استبد به الرعب فصار يلتهم (فلذات كبده) أبناءه الواحد تلو الآخر قبل أن يشتد عودهم ما إن يفتحوا أعينهم على الحياة. التهم هيستيا ثم ديميتر وهيرا وبوسيدون وهاديس... ابتلعهم جميعًا دون تردد، وكأنهم بذور الثورة التي ينبغي اقتلاعها قبل أن تنمو، ورغم بكاء ريا وتوسلاتها المُتضرعة ظل كرونوس ماضيًا في طغيانه لا يُثنيه رجاء ولا يُلينه ألم، واستحق عن جدارة لقب "الملك آكل أبنائه / آكل لحوم البشر" إذ غلب عليه الطغيان فحول الأبوة إلى فِعل افتراس، وفضل عرشًا يرتكز على الرعب على قلبٍ عامرٍ بالمحبة.
الحجر المقمط: خدعة الأم التي أنقذت الأمل حزنت ريا حزنًا شديدًا لما آلت إليه حالها، واعتصر قلبها ألمًا على مصير أبنائها الذين التهمهم والدهم الواحد تلو الآخر دون أن يسمح لهم بأن يفتحوا أعينهم على الحياة، ومقابل هذا الظلم الفادح قررت أن تتمرد على طغيان كرونوس فتآمرت عليه بمساعدة والديها (جايا وأورانوس) اللذين نصحاها أن تُنقذ وليدها القادم، وتخفيه بعيدًا عن بطش أبيه، وما إن حملت ريا حتى أعدت العدة لخداع كرونوس، وحين اقترب موعد ولادتها انسحبت إلى جزيرة كريت حيث وضعت طفلها سرًّا، وأطلقت عليه اسم "زيوس"، وأسندت أمر رعايته إلى الحوريات التسع، فتكفلن به وأرضعته الماعز الأسطورية "أمالثيا" بينما كانت الكوريتات (الحارسات) يقرعن الطبول ويُحدثن الضوضاء لئلا يسمع أحد بكاءه.
أما ريا فعادت بعد ذلك إلى جبل أورثريس حيث يقيم كرونوس، وأحضرت معها حجرًا أملسًا ضخماً لفته في القماط كما يُلف الطفل الوليد، وقدمته لزوجها على أنه ابنها فابتلعه كرونوس على الفور دون أن يرتاب أو يلقي نظرة، وظن أنه قد نجا من شؤم النبوءة غير أنه لم يكن يعلم أن المصير الذي يخشاه قد نجا، وأن ساعة السقوط آتية لا محالة... تنمو في الخفاء.
زيوس ونجاة الأبناء: وحين بلغ زيوس مبلغ الرجولة، واشتد عوده لم ينسَ ما فعله والده القاسي بأمه وإخوته فحان وقت المواجهة. أعد زيوس شرابًا مسمومًا، وقدمه إلى كرونوس بخديعة محكمة، وما إن شربه حتى غص صدره بالندم إذ أجبره الشراب على تقيّؤ كل ما ابتلعه من قبل فخرج الأبناء الخمسة الذين ظلوا حبيسي أحشائه أعوامًا طوال يتقدمهم الحجر الذي ابتلعه بدلًا من زيوس، وقد ظل ماثلًا في بطنه كرمز لخداع لم يُكشَف.
وإكرامًا لذلك الحجر نقله زيوس إلى معبد "بيثو" في "دلفي" حيث أصبح موضع تبجيل وتقديس عند البشر لقرون تلت ثم مضى زيوس في تنفيذ خطته الكبرى فأطلق سراح "السيكلوبس والهيكاتونشيرز" أولئك العمالقة ذوي المائة ذراع والعين الواحدة الذين سُجنوا ظلمًا في "تارتاروس" على يد كرونوس ذاته.
وهكذا اجتمع الأبناء الخمسة المحررون مع الوحوش المُنقذة، وتحالفوا تحت راية زيوس ضد كرونوس وحلفائه من الجبابرة لتندلع بين الطرفين حرب طاحنة تُعرف في الميثولوجيا الإغريقية بـ"تيتانومخيا"، واستمر الصراع الكوني عشر سنوات كاملة امتلأت خلالها السماوات بالغضب، والأرض بالعويل، والبحر بالرعود، وفي النهاية انتصر زيوس ومن معه من الآلهة، وتمكن من إلحاق الهزيمة بكرونوس وجيشه فسلبه العرش، ونفاه إلى ظلمات العالم السفلي أما الجبابرة فقد زُج بكثير منهم في تارتاروس حيث القيود الأبدية، وبذلك ارتقى زيوس عرش السماء، وثبت حكمه على جبل أوليمبوس، وأسس حكم الآلهة الأولمبيين... غير أن النصر لم يكن خاتمة الصراعات إذ أثار هذا المصير غضب غايا ففتحت باب مواجهة جديدة لم تكن أقل شراسة بين الآلهة وجبابرة أكثر دهاءً ووحشية.
ملاحظة حول النسخة البديلة:في رواية أخرى من الروايات الكثيرة للأسطورة قيل إن غايا هي من طلبت من أبنائها الجبابرة أن يثوروا على أبيهم أورانوس بعد أن سجن إخوتهم المسوخ في جوفها غير أن الخوف كمم أفواههم وشل حركتهم، ولم يجرؤ على الاستجابة سوى أصغرهم "كرونوس" الذي حمل المنجل وهاجم والده في لحظة غدر فخصاه وخلع سلطانه.
وأخيرًا لم تكن حكاية كرونوس سوى مرآة للخوف حين يستحيل طغيانًا، وللحب حين يُختطف من مهده فكما ابتلع الأب أبناءه خرج الابن من جوف الهلاك ليعيد ميزان العدالة.