قصة حكمة سليمان وطفل المرأتين بين النصوص السماوية

تتردد في الكتب السماوية المختلفة قصص خالدة تحمل في طياتها حكمة الأنبياء وعبق العدل الإلهي رغم اختلاف التفاصيل والصياغة بين النصوص، ومن بين هذه الحكايات تبرز قصة "حكمة سليمان وطفل المرأتين"، وفي هذه المقالة سنستعرض هذه القصة كما وردت في التوراة، وما نقله لنا الحديث الشريف في الإسلام لنكتشف معًا جوهرها الحقيقي، ونفهم عمق العدل والحكمة التي تتجلّى بها.

القصة في الإسلام: يُحكى أن امرأتين كان لكلٍّ منهما طفل صغير، وبينما هما معًا جاء ذئب مفترس فأخذ ابن إحداهما، وبقي الطفل الآخر سالمًا فادعت كلٌّ منهما أن الطفل الباقي هو ابنها، واشتد النزاع بينهما، وكلتاهما تتشبث بحقها بلا تراجُع.

فتوجهتا إلى نبي الله داود عليه السلام ليحكم بينهما، وبعد تدبُر و نظر في أمرهما قضى بالطفل للمرأة الكبرى فانصرفتا على هذا الحكم غير أن الخلاف لم ينتهِ بعد، فاتجهتا إلى نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام، وأخبرتاه بالقضية، ليُحسم الأمر بينهما.
وهنا تجلت حكمة سليمان عليه السلام وحنكته إذ لجأ إلى حيلة ذكية تكشف الأم ا
لحقيقية دون عناء فقائل بحزم: «ائتوني بالسكين أشقه بينكم»، فما إن سمعت المرأة الصغرى هذا الاقتراح حتى خفق قلبها بحرقة، وصرخت بتوسل: «لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها».

تخلت عن حقها الظاهري حفاظًا على حياة الطفل أما الأخرى فلم يُنقل عنها اعتراض يُذكر فبان لسليمان وجه الحق، وقضى بالطفل للصغرى لأنها الأم التي فضلت حياة ابنها على حقها الشخصي، وكان ذلك دليلاً على عظمة العدالة التي تعتمد على الذكاء والرحمة، وبُعد النظر لا على المظاهر وحدها.

أين وردت القصة في الإسلام؟ وردت في عدة مصادر صحيحة منها:
١) رواية صحيح البخاري من كتاب الخصومات
:

          عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود عليه السلام، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل، يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى». 

٢) رواية مسند الأمام أحمد: وردت بصياغة مختلفة لكنها تحمل نفس المعنى:

          عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «خرجت امرأتان معهما صبيان لهما، فعدا الذئب على إحداهما فأخذ ولدها، فاختصمتا في الصبي الباقي إلى داود عليه السلام، فقضى به للكبرى منهما، فمرّتا على سليمان عليه السلام، فقال: كيف أمركما؟ فقصّتا عليه القصة، فقال: ائتوني بالسكين أشق الغلام بينكما، فقالت الصغرى: أتشقّه؟ قال: نعم، قالت: لا تفعل، حظّي منه لها، قال: هو ابنك، فقضى به لها».

تفسير العلماء للحديث وأوجه الاجتهاد في حكمة سليمان: اجتهد العلماء في فهم أبعاد هذه القصة النبوية، وخرجوا بتأويلات تعكس عمق النظر والاجتهاد في تفسير تصرف نبي الله داود وحكم ابنه سليمان عليهما السلام.
١) التفسير الأول: رأى بعض العلماء أن حكم داود عليه السلام للمرأة الكبرى كان اجتهادًا إنسانيًّا مشروعًا مبنيًا على الظواهر والمصلحة المحتملة إذ قد تكون الكبرى ربما بلغت سنًّا يقل فيه احتمال إنجابها مجددًا بينما الصغرى ما تزال شابة وقد يرزقها الله بغيره من الأبناء، فرجح الحكم لصالح الكبرى مراعاةً لهذه الاعتبارات الظاهرة.
٢) التفسير الثاني: رأى آخرون أن داود عليه السلام اعتمد في حكمه على ما بدا له من ملامح المشاعر وتعبيرات الأحوال النفسية إذ فسر بعض العلماء أن المرأة الكبرى ربما أظهرت بكاءً شديدًا وحزنًا ظاهرًا أمامه خلال المحاكمة في حين بقيت الصغرى ساكنة لا تُظهر شيئًا ربما من شدة الخوف أو لجهلها كيفية الدفاع عن حقها.
خاتمة التح
ليل: وهكذا فسر العلماء أن حكم داود عليه السلام كان اجتهادًا مؤقّتًا مبنيًّا على ظاهر الأحوال، ولم يكن حكمًا قطعيًّا نهائيًّا ثم جاءت حكمة سليمان عليه السلام لتكشف الحقائق المستترة حين استدرج مشاعر الأمومة الصادقة فأظهرت المرأة الصغرى عاطفتها الحقيقية وفضلت بقاء الطفل حيًّا، ولو كان في حضن غيرها فعلم سليمان عليه السلام يقينًا أنها الأم الصادقة فقضى بالولد لها ليُثبت بذلك أن العدل لا يقوم على المظاهر وحدها بل على الفطنة والرحمة والبصيرة الحكيمة.
القصة في التوراة: يُروى أن امرأتين من الزواني كانتا تعيشان في بيت واحد، وقد وضعت كل منهما طفلًا في فترة متقاربة إذ ولدت الأولى ابنًا، وبعد ثلاثة أيام أنجبت الثانية ولدها أيضًا.
وذات ليلة، وبينما كانت المرأة الثانية نائمة اضطجعت
(استلقت) على طفلها دون أن تدرِ فمات الصغير مختنقًا وعندما اكتشفت وفاته أقدمت على خدعة خبيثة فاستبدلت الطفل الميت بالطفل الحيّ، ووضعته بجانب المرأة الأولى أثناء نومها، وأخذت الطفل الحيّ  وادعت أنه ابنها.
وفي الصباح حين استيقظت المرأة الأخرى لترضع طفلها أدركت فورًا أن الرضيع الميت ليس ابنها فواجهت المرأة الثانية بالحقيقة إلا أن الأخيرة أصرت على أن الطفل الحيّ هو ابنها فنشب نزاع بينهما لم يُحسم إلا باللجوء إلى الملك سليمان عليه السلام.
استم
ع سليمان عليه السلام إلى أقوال الطرفين، وبدلاً من الدخول في جدال لا ينتهي بعد تفكر قرر اختبار مشاعر الأم الحقيقية فأمر بإحضار سيف، واقترح أن يُشق الطفل الحي إلى نصفين بحيث تأخذ كل امرأة نصفًا.

فما كان من الأم الحقيقية إلا أن توسلت إلى سليمان بكل ما في قلبها من حنان الأمومة أن يُسلم الطفل للمرأة الأخرى حفاظًا على حياته بينما وافقت المرأة الثانية بلا تردد على شقه دلالة على قسوة قلبها وعدم اكتراثها.
وهنا تجلت حكمة سليمان عليه السلام فع
رف أن الأم الحقيقية هي التي فضلت سلامة طفلها على حقها فيه فحكم بأن يُسلم الطفل الحي إليها.

النصّ الحرفي من التوراة (سفر الملوك الأول الإصحاح الثالث، الآيات ١٦-٢٨):

         حِينَئِذٍ أَتَتِ امْرَأَتَانِ زَانِيَتَانِ إِلَى الْمَلِكِ وَوَقَفَتَا بَيْنَ يَدَيْهِ. فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ: «اسْتَمِعْ يَا سَيِّدِي. إِنِّي أَنَا وَهذِهِ الْمَرْأَةُ سَاكِنَتَانِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ وَلَدْتُ مَعَهَا فِي الْبَيْتِ. وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ بَعْدَ وِلاَدَتِي وَلَدَتْ هذِهِ الْمَرْأَةُ أَيْضًا، وَكُنَّا مَعًا، وَلَمْ يَكُنْ مَعَنَا غَرِيبٌ فِي الْبَيْتِ غَيْرَنَا نَحْنُ كِلْتَيْنَا فِي الْبَيْتِ. فَمَاتَ ابْنُ هذِهِ فِي اللَّيْلِ، لأَنَّهَا اضْطَجَعَتْ عَلَيْهِ. فَقَامَتْ فِي وَسَطِ اللَّيْلِ وَأَخَذَتِ ابْنِي مِنْ جَانِبِي وَأَمَتُكَ نَائِمَةٌ، وَأَضْجَعَتْهُ فِي حِضْنِهَا، وَأَضْجَعَتِ ابْنَهَا الْمَيْتَ فِي حِضْنِي. فَلَمَّا قُمْتُ صَبَاحًا لأُرَضِّعَ ابْنِي، إِذَا هُوَ مَيْتٌ. وَلَمَّا تَأَمَّلْتُ فِيهِ فِي الصَّبَاحِ، إِذَا هُوَ لَيْسَ ابْنِيَ الَّذِي وَلَدْتُهُ». وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ الأُخْرَى تَقُولُ: «كَلاَّ، بَلِ ابْنِيَ الْحَيُّ وَابْنُكِ الْمَيْتُ». وَهذِهِ تَقُولُ: «لاَ، بَلِ ابْنُكِ الْمَيْتُ وَابْنِيَ الْحَيُّ». وَتَكَلَّمَتَا أَمَامَ الْمَلِكِ. فَقَالَ الْمَلِكُ: «هذِهِ تَقُولُ: هذَا ابْنِيَ الْحَيُّ وَابْنُكِ الْمَيْتُ، وَتِلْكَ تَقُولُ: لاَ، بَلِ ابْنُكِ الْمَيْتُ وَابْنِيَ الْحَيُّ». فَقَالَ الْمَلِكُ: «اِيتُونِي بِسَيْفٍ». فَأَتَوْا بِسَيْفٍ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ. فَقَالَ الْمَلِكُ: «اشْطُرُوا الْوَلَدَ الْحَيَّ اثْنَيْنِ، وَأَعْطُوا نِصْفًا لِلْوَاحِدَةِ وَنِصْفًا لِلأُخْرَى». فَتَكَلَّمَتِ الْمَرْأَةُ الَّتِي ابْنُهَا الْحَيُّ لِلْمَلِكِ، لأَنَّ أَحْشَاءَهَا اضْطَرَمَتْ عَلَى ابْنِهَا، وَقَالَتِ: «اسْتَمِعْ يَا سَيِّدِي. أَعْطُوهَا الْوَلَدَ الْحَيَّ وَلاَ تُمِيتُوهُ». وَأَمَّا تِلْكَ فَقَالَتْ: «لاَ يَكُونُ لِي وَلاَ لَكِ. اُشْطُرُوهُ». فَأَجَابَ الْمَلِكُ وَقَالَ: «أَعْطُوهَا الْوَلَدَ الْحَيَّ وَلاَ تُمِيتُوهُ فَإِنَّهَا أُمُّهُ». وَلَمَّا سَمِعَ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ بِالْحُكْمِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ الْمَلِكُ خَافُوا الْمَلِكَ، لأَنَّهُمْ رَأَوْا حِكْمَةَ اللهِ فِيهِ لإِجْرَاءِ الْحُكْمِ.

العبر والدروس من القصة:
١) الحب الحقيقي لا يُقاس بالكلمات ولا بادعاءات التملك بل يُثبت بالتضحية وحين يُقدم القلبُ مصلحة من يحب على أنانيته.
٢) العدالة الحقيقية لا تنخدع بالمظاهر، ولا تغرق في ضجيج الجدل بل تنفذ ببصيرة ثاقبة إلى أعماق القلوب حيث تُختبر المشاعر، وتنكشف الحقيقة مهما حاول الزيف التستر خلف الأقوال.
٣) القلب الرحيم الصادق يُفضح الك
اذب مهما أتقن تمثيله فالشعور الحقيقي لا يُخفى عند ساعة الامتحان.
٤) الحكمة ليست في سرعة الأحكام بل في التروي، واستدراج المواقف التي تُظهر معدن النفوس لأن البصيرة لا تستعجل بل تنتظر لتكشف الحق بأدلة دامغة.
المصادر
:
١) الدرر
السنية ، موسوعة الأحاديث النبوية ، أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، موقع الدعوة الإسلامية العربية.

٢) الأنبا تكلا هيمانوت ، كنيستي.

✅ بقلمي.

زُمردة

تعطُّشي لِلمعرِفةِ جعلنِي مُحِبة لِتَفسِيرِ ما أقرأُ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الإِتّصال