نساء الغيسنغ في ذاكرة كوريا: خلف الستار

نشهد بين صفحات التاريخ الكوري سطورًا عن نساءٍ نُقِشَت أسماؤهن بين لحن المتعة المتشابك وظلال الغواية… إنهن نساء الغيسنغ، وفي هذه المقالة نغوص بين طيات عالم الغيسنغ لنُزيح الستار عن الخفي، ونقترب أكثر من فهم حقيقتهن… بعيدًا عن الصور النمطية، وبحثًا عن تلك الحقيقة التي ظلت معلقة بين الفن والخذلان. 

من هن الغيسنغ؟ الغيسنغ أو كما يُطلق عليهنّ "الكيساينغ" هن نساء كوريات فنانات مُدربات في مختلف مجالات الترفيه والفنون بما في ذلك الأدب، والغناء، والرقص، والعزف على الآلات الموسيقية، والشعر، والرسم وفنون المحادثة الراقية بلمسة من الرقة، ولهذا السبب أُطلق عليهن غالبًا اسم "هيأوهوا" أي الزهرة القابلة للتحدث وللعلم تقتصر مهـنتهن الرئيسية على تسلية وإرضاء الرجال عبر الموسيقى والأحاديث الأدبية والشعر خاصةً خلال الاحتفالات الرسمية أو الولائم الملكية وبيوت النبلاء.

مراتب الغيسنغ ووظائفهن بين المهارة والمكاننساء الغيسنغ خضعن لتقسيمات دقيقة بحسب المهارة والمكانة الاجتماعية فمن جهة صُنفن إلى ثلاث مراتب رئيسية وفقًا لمستوى التعليم والمهارات الفنية:
١) المرتبة الأولى: إلباي غيسانغ (
النخبة المخملية): هن الصفوة من الغيسنغ اللواتي يتمتعن بمستوى عالٍ من التعليم، والثقافة، والأناقة، ويتقن الفنون التقليدية الرفيعة كالشعر، والموسيقى الكلاسيكية، والرقص التقليدي، وفنون المحادثة الراقية، ويُستدعين فقط للمشاركة في الولائم الرسمية والاحتفالات الكبرى في بلاط الملوك وبيوت النبلاء، ويُنظر إليهن كممثلات للفن الراقي رغم بقائهن خارج حدود الطبقات الاجتماعية المعترف بها رسميًا.
٢) المرتبة الثانية: إيباي غيسينغ (الترفيه الشعبي) هن من يمتلكن مهارات جيدة في الفنون لكن لا يبلغن مكانة النخبة، وعادةً ما يعملن في الأماكن الأقل رسمية كالمقاهي، والحانات، والأسواق الشعبية حيث يُقدمن عروض الرقص والغناء والموسيقى لجمهور متنوع من عامة الشعب.
٣) المرتبة ا
لثالثة الأدنى: سامباي غيسينغ (المتعة الجسدية) أدنى مراتب الغيسنغ وغالبًا ما يُقترن وجودهن بالأماكن العامة والحانات الشعبية، وتقتصر مهاراتهن في الغالب على الرقص والغناء الشعبي، وبعضهن يرتبطن بخدمات المتعة الجسدية أو ما يُصطلح عليه بـ"الغالبو"، أي النساء اللواتي يُقدمن الترفيه المختلط بالجوانب الجسدية ما جعل الكثير منهن يواجهن وصمة اجتماعية مزدوجة تجمع بين الفن والنبذ.

ومن جهة أخرى ينقسم الغيسنغ أيضًا بحسب الجهة التي يخدمنها إلى:
١) غوان-غي: الغيسنغ اللواتي يخدمن المسؤولين المدنيين أو العسكريين في الحكومة، وغالبًا ما ينتمين لفئة "الإلباي أو الإيباي" نظرًا لمهاراتهن العالية، ويشاركن في المناسبات الرسمية والأنشطة المرتبطة بالسلطة.
٢) مين-غي: يقدمن الترفيه للطبقة الأرستقراطية (اليانغبان) وأفراد الشعب الأثرياء خاصة في الحفلات والولائم الخاصة دون أن يكون لهن ارتباط مباشر بالبلاط أو المناصب الحكومية.
نشأة الغيسنغ وجذورها التاريخي
ة: ظهر مفهوم الغيسنغ (أو الكيساينغ) لأول مرة خلال عهد أسرة غوريو (٩١٨ - ١٣٩٢م) حينها كانوا يُنظر إليهن كفنانات وموسيقيات متخصصات يعملن داخل القصور في المناسبات الرسمية والاحتفالات الكبرى. آنذاك لم يكن النظام الطبقي الصارم قد فُرض بعد، ولم تكن الدعارة جزءًا جوهريًا من تعريف الغيسنغ بل ارتبطت مكانتهن بالفنون والموسيقى والرقص غير أن الأمور تغيرت مع بداية مملكة جوسون (١٣٩٢ - ١٨٩٧م) حيث بدأ النظام الطبقي الصارم يفرض نفسه بوضوح، وازداد الطلب على فئة الغيسنغ ليس في القصور وحدها بل أيضًا في الأوساط الشعبية والعامة عندها بدأت الفجوات تتسع داخل عالم الغيسنغ، وتسلل مفهوم المتعة الجسدية والدعارة إلى فئاتهن الدنيا خاصةً اللواتي عملن في الحانات والأسواق الشعبية ثم جاءت الحروب الكبرى، وعلى رأسها الغزو الياباني لكوريا في القرن السادس عشر (حروب إميجن) لتعمق هذا الانقسام أكثر حيث دفعت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بالمزيد من النساء إلى عالم الغيسنغ سواء هربًا من الفقر أو بحثًا عن مصدر رزق أو تحت ضغط الواقع السياسي القاسي، وفيما بعد استغلت السلطات اليابانية فئة الغيسنغ بشكل مكثف، فدُفِعت الكثيرات منهن إلى عالم الترفيه التجاري الصريح بما في ذلك "بيوت المتعة" التي انتشرت تحت مسميات فنية مزيفة، ومع ذلك بقيت قلة من الغيسنغ الحقيقيّات يحافظن على مكانتهن.
هل كانت جميع الغيسنغ فنانات با
ختيارهن أم ضحايا للبيع والاستغلال؟ الحقيقة أكثر قسوة مما قد يبدو فكثير من نساء الغيسنغ لم يخترن هذا الطريق بل دُفعن إليه قسرًا إما عبر الاختطاف، أو تحت وطأة الفقر أو الديون أوالنسب الطبقي المتدني الذي حكم عليهن بالبقاء في هامش المجتمع ففي ظل النظام الطبقي الصارم الذي ساد مملكة جوسون كانت الفتيات من الطبقات الدنيا يُنظر إليهن كوسيلة لسداد ديون الأسرة أو لتحسين وضع العائلة المادي فكانت بعض العائلات تبيع بناتها مقابل المال، وأحيانًا يُجبرن على العمل في الحانات بدايةً حيث تبدأ أولى خطواتهن في عالم الترفيه القاسي، ومن هناك قد تُباع الفتاة لتُصبح محظية لدى أحد النبلاء، أو تُدرب لتلتحق بعالم الغيسنغ حيث تُستغل مهاراتها في الرقص والغناء، وأحيانًا تُدفع نحو الاستغلال الجسدي تحت ستار الفن، وللمعلومية كثير من الحالات كانت الفتيات اللواتي يُجبَرن على هذا المصير أعني "البغاء" من الخادمات، أو من النساء اللواتي فقدن عفتهن ولم يجدن مأوى في ظل نظام اجتماعي صارم لا يرحم.

التمييز داخل عالم الغيسنغ: كلما انخفضت مرتبة الغيسنغ من الناحية الفنية والتعليمية، وزاد جهلها بالفنون الراقية ازدادت احتمالية دفعها نحو طريق الاستغلال الجسدي، لتصبح مجرد بغي تُقدم خدمات المتعة تحت ستار الترفيه الشعبي، وفي المقابل ظلت فئة "إلباي غيسنغ" و "إيباي غيسنغ" اللواتي حافظن على مكانتهن الرفيعة وعفتهن ينظرن باستياء إلى الخلط بينهن وبين فئات الغيسنغ الأدنى المرتبطات بالبغاء رافضات أن يُزج بهن جميعًا تحت مسمى "غيسنغ" دون تمييز، وكأن الفن والعار يُقاسان بمكيال واحد.

السلوك في بيوت الغيسنغ الشعبية: كان الانضباط داخل بيوت الغيسنغ الشعبية خاصة تلك المرتبطة بالفئات الدنيا من الغيسنغ حيث كان يتردد المتشردون والبلطجية وأصحاب الطبقات الدنيا أمرًا صارمًا للغاية لا مجال فيه للخطأ أو التسيب فالفتاة التي لا تلتزم بقواعد المكان سواء في الحديث أو التصرف قد تتعرض للضرب والإهانة، ولا تملك الحق في الاعتراض أو الدفاع عن نفسها.
تذكر المصادر الكورية القديمة أنه إذا زل لسان أحد الزبائن أو تجاوز حدوده أثناء التسكع مع الغيسنغ كان يُلقى عليه بساط / حصيرة فجأة ويُجبر على الوقوف رأسًا على عقب، وفي بعض الحالات قد ينتهي الأمر بمقتله.
كما حتم العرف الاجتماعي بعض القواعد الطريفة أحيانًا مثل نصيحة "لا تحضروا زهورًا إلى الغيسنغ" في إشارة ضمنية إلى طبيعة العلاقات المزيفة التي تحكم هذا العالم حيث يُقال إن الغيسنغ يبيعن الضحك والمرح للكثيرين، ويكذبن أي كذبة لإرضاء الزبائن في عالم يختلط فيه الترفيه بالحي
لة، والمجاملات بالاستغلال.

آداب السلوك والاحترام في عالم الغيسنغ:
١) لا تتفاخر بزوجتك أمام الغيسنغ: بطبيعة الحال لا يمكن للغيسنغ أن تحظى بحياة زوجية طبيعية فالتباهي بالزوجة أمامهن يُعتبر إهانة بالغة فلو أردت أن تتفاخر بزوجتك أو جاريتك، لماذا تذهب إلى بيت دعارة بدلاً من معاملتهن بشكل جيد في البيت؟.
٢) لا تكتب رسائل إلى الغيسنغ: أن إرسال الرسائل كان يُعتبر مخاطرة خصوصًا لمن ليس متميزًا في الثقافة والمعرفة، إذ كان احتمال الإحراج كبيرًا في حال تم كشف الجهل.
٣) لا تتحدث عن الأ
بناء الصالحين: كان من المُحرم التفاخر بالأبناء الصالحين أمام الغيسنغ فمجرد الحديث عن الأسرة المستقرة أو الأطفال المحترمين يُعد استفزازًا قاسيًا في عالمٍ هش كهذا فكثير من أطفال الغيسنغ يُنظر إليهم باعتبارهم غير شرعيين كونهم وُلدوا في ظروف اجتماعية معقدة حتى لو لم يكن الطفل وُلد خارج إطار الزواج إلا أن نشأته في كنف أمّ من عالم الغيسنغ تجعله في أعين المجتمع خارج دائرة القبول والاحترام، ولهذا كان الحديث عن الأبناء أو التفاخر بهم أمام الغيسنغ يُفسر وكأنه تذكير بواقعهن المؤلم، أو استعراض زائف لأبوة صالحة لا تتناسب مع من يختار قضاء وقته في بيوت الترفيه واللهو، فكما يُقال ساخرين: "إذا كان الأب يقضي وقته مع الغيسنغ فهل يعتبر نفسه أبًا صالحًا حقًا؟" ممّا يُذكرنا بأمثلة من عالم الشهرة حيث تفضل العلاقة مع المعجبين على الأسرة.

أدوار سرية للغيسنغ: في بعض الفترات التاريخية استُخدِمت بعض نساء الغيسنغ كجاسوسات لخدمة الدولة أو حركات المقاومة لا سيما خلال أوقات الحروب والاحتلالات التي مرت بها كوريا مثل الاحتلال الياباني أو الغزو في حروب إميجن، ونظرًا لقربهن من النبلاء والمسؤولين وأصحاب النفوذ، ولما كان وجودهن مقبولًا في الاحتفالات والمجالس المغلقة استغلت بعض الغيسنغ هذا القرب لجمع المعلومات السرية أو التأثير على الخصوم السياسيين تحت ستار الفن والترفيه. هذه الظاهرة ليست مؤكدة في جميع الحالات لكنها موثقة في بعض المصادر التاريخية باعتبارها وسيلة استخدمتها الدولة أو حركات المقاومة لتحقيق أهدافها.

من أبرز الغيسنغ اللواتي تركن بصمة في التاريخ الكوري هي: الغيسنغ "نون جاي".
في أواخر القرن السادس عشر خلال غزو القوات اليابانية لشبه الجزيرة الكورية في حرب إميجن سقطت مدينة جينجو في يد القوات اليابانية عام ١٥٩٣م. استضاف الجنرالات اليابانيون حفلة للاحتفال بهذه المناسبة، وكان من بين الحاضرين غيسنغ تُدعى نون جاي، وفي خطوة بطولية استدرجت "نون جاي" جنرالًا يابانيًا بارزًا إلى جرف مرتفع حيث احتضنته بقوة مشابكة أصابعها حول ظهره بخواتم خاصة ثم ألقت بنفسها من الجرف إلى النهر، لتغرقه وتُغرق نفسها تعبيرًا عن الانتقام والتمسك بالشرف الوطني.
 

 

في الوقت الحاضر تُقام في كوريا، وخصوصًا في منطقة جينجو طقوس تكريم لذكرى "نون جاي" حيث تم نصب تذكاري على صخرة تقع على الجرف الذي ألقت بنفسها منه، وللعلم تُخلد سيرتها في الأدب والفنون الكورية، وتلهم قصتها العديد من الروايات والمسرحيات والأعمال السينمائية لتبقى رمزًا للتضحية الوطنية والشجاعة الفذة.

في رواية أخرى احتفل الجنرالات اليابانيون بانتصارهم وأقاموا وليمة في تشوكسيوكرو. وقفت "نون جاي" متأنقة بملابسها على صخرة شديدة الانحدار أسفل تشوكسيوكرو، وتحت الجرف تدفقت مياه نهر نامغانغ. كان الجميع يسعى للاستيلاء على "نون جاي" لكنهم كانوا يخشون الاقتراب بسبب الارتفاع الشديد للجرف في تلك اللحظة تقدم جنرال ياباني ثمل نحو "نون جاي" استجمعت "نون جاي" قواها وابتسمت له مغريةً، فانبهر الجنرال بابتسامتها واقترب منها، وعندما أمسك بها صرخت نون جاي: "حان الوقت! حان الوقت!"، وعانقته بشدة فسقطا معًا في مياه نهر نامغانغ أسفل الجرف.

✅ بِقلمي (اللهمّ يا واسع الرحمة، ويا من بيده مفاتيح الفرج اغمر قلبي بالطمأنينة، ويسّر لي أمري، واصرف عنّي همّ الدنيا وضيقها، واهدِني لما فيه الخير، وارزقني القوّة لأواجه ضعفي، والرضا لأصبر على قدري، واليقين بأنّ ما كتبته لي خير، وما أخّرته عنّي لطف).

زُمردة

تعطُّشي لِلمعرِفةِ جعلنِي مُحِبة لِتَفسِيرِ ما أقرأُ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الإِتّصال