العقل بين الجنة والجحيم: عرش تبنيه أم سجن تختاره

داخل الرأس مكان صغير معتم لا أبواب فيه ولا نوافذ فقط صدى أفكارك يتردد، وقد تضرم فيه النور فتحيا أو تُطفئه فتهلك كما قال الشاعر والمفكر البريطاني "جون ميلتون" في كتابه الفردوس المفقود: «العقل هو مكانه الخاص، وفي ذاته يستطيع أن يصنع من الجحيم جنة، ومن الجنة جحيمًا»، وفي هذه المقالة سنغوص معًا لشرح هذه العبارة لنفهم كيف يمكن للعقل أن يتحول إلى عرشٍ نعلو به إلى الفردوس أو إلى سجنٍ نحترق فيه في جحيمه.

 

فما هو النص الأصلي لهذه العبارة كما جاء في كتاب الفردوس المفقود؟ 

«العقل هو مكانه الخاص، وفي ذاته يستطيع أن يصنع من الجحيم جنة، ومن الجنة جحيمًا فما أهمية المكان إذا كنتُ أنا كما أنا، وكما يجب أن أكون، كل شيء إلا أدنى من ذاك الذي جعل منه الرعد أعظم؟هنا على الأقل سنكون أحرارًا...».

 

من قائل تلك العبارة؟ ولماذا؟ قائل هذه العبارة هو الشيطان (لوسيفر) في قصيدة "الفردوس المفقود" للشاعر الإنجليزي جون ميلتون، وقد وجّهها إلى أتباعه الساقطين معه حين طُردوا من السماء إلى الجحيم. قالها ليُطلق العنان لمعاناته بكبرياء مرير محاولًا رفع معنوياتهم بعد هزيمتهم في الحرب السماوية، وإقناعهم بأن السقوط ليس نهاية، بل بداية تمرد جديد.

التحليل النفسي: ما الذي قصده ميلتون بهذه العبارة؟ لقد أراد ميلتون أن يبين أن الجنة والجحيم ليستا مكانين خارجيين فحسب بل هما حالتان تنبعان من داخل الإنسان نفسه فالعقل بقدرته على التأويل والتصور قد يصنع من أقسى الظروف نعيمًا، ومن أطيب النِعَم شقاءً فليس المهم ما يحيط بنا بل ما نراه في دواخلنا ونؤمن به فإن كان العقل مطمئنًا عاش صاحبه في سلامٍ ولو في قلب الجحيم، وإن اضطرب فلن يجد راحته ولو أحاطت به الجنان.

العقل هو الكيان السيد، وهو من يمنح الأشياء معناها، ويقرر إن كنا في نعيمٍ أم في عذاب. 

         كأن ميلتون يقول: لست بحاجة إلى الجنة ما دمت تستطيع أن تخلق عالمك بنفسك حتى وإن كان خرابًا. أنت لا تعيش في الجحيم بل تحمله معك في رأسك، ولا تحتاج إلى مكافأة الجنة بل تزرعها داخل نفسك. 

لماذا تُستخدم هذه العبارة كثيرًا في السينما؟ تُستخدم هذه العبارة كثيرًا في السينما لأنها تتماشى مع تصوير الشخصيات التي تمثل الشر أو التمرد إذ تعكس منطقًا داخليًا متكبرًا يرى نفسه مظلومًا دون أن يعترف بذلك بل يجد في معاناته مصدرًا للقوة، فيحول جحيم الانكسار إلى عرشٍ للتمرد.

في الختام لم يكن ميلتون يُمجد الشيطان بل أراد أن يكشف لنا كيف أن العقل هذا العرش الخفي قد يغدو مرآةً للمعجزة إن أناره النور أو يتحول إلى لعنة كبرى إذا تملكه الغرور.

📝 بقلمي (اللهم ارحم عقولنا، واملأ قلوبنا بالطمأنينة، وارزقنا فهماً يهدي سُبلنا).

زُمردة

تعطُّشي لِلمعرِفةِ جعلنِي مُحِبة لِتَفسِيرِ ما أقرأُ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الإِتّصال