الحروب لم تكن يومًا ساحةً للقتال بين الجنود وحدهم بل كانت مصيدةً يسقط فيها الجميع لا تفرق بين شخص وآخر، ولا تُراعي حتى ملامح الضحايا أو أعمارهم فيدفع الثمن الأطفال والنساء والشيوخ على حد سواء لكن النساء دائمًا يدفعن الثمن مضاعفًا ففي زمن الحرب تُستباح أجسادهن بلا رحمة، وتُسرق كرامتهن ثم يُتركن وحيدات في مواجهة قسوة المجتمع الذي لا يرحم فيجلدهن بنظرات الاتهام، ويحملهن ذنبًا لم يرتكبنه قط، وفي هذه المقالة سنسلط الضوء على المآسي التي رافقت النساء خلال الحروب، وتحديدًا معاناة نساء المتعة وكيف تحولن إلى أدوات استعباد ومتعة في أيدي الأعداء.
![]() |
لوحة نُشرت عام ١٩٩٥م للفنان الكوري الجنوبي الراحل سون دوك كيم، التي تُعرف بعنوان ب "أُخِذَت بعيدًا" أو "مُنْتَقِلَة". |
من هن نساء المتعة؟ نساء المتعة هن فتيات ونساء أُجبرن على العبودية الجنسية القسرية في بيوت الدعارة العسكرية التي أقامها الجيش الإمبراطوري الياباني خلال الحرب العالمية الثانية تحت التهديد والإكراه بهدف "تسلية" الجنود اليابانيين وخدمتهم جنسيًا.

لوحة
زيتية للفنان الفرنسي "كريستيان بوارو" تُسلّط الضوء على معاناة النساء
الصينيات اللواتي تعرضن للعبودية الجنسية خلال الحرب العالمية الثانية.

لوحة زيتية للفنان الفرنسي "كريستيان بوارو" تُسلّط الضوء على معاناة النساء الصينيات اللواتي تعرضن للعبودية الجنسية خلال الحرب العالمية الثانية.
تعود أصول هؤلاء النساء إلى دول ومناطق متعددة وقعت تحت الاحتلال الياباني آنذاك، وعلى رأسها كوريا التي كانت من أكثر الدول المتضررة إضافة إلى الصين والفلبين وإندونيسيا وتايوان وحتى هولندا وأستراليا وغيرها من مناطق جنوب شرق آسيا.
الفيديو السابق: نشرته كوريا الجنوبية، ويُظهر أولى اللقطات المعروفة لـ"نساء المتعة" اللواتي أُجبرن على العمل كعبيد جنس للجنود اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية تحديدًا يعود تاريخ هذا المقطع إلى عام ١٩٤٤م، وقد صوره جندي أمريكي ويظهر في الفيديو الذي التُقط بالأبيض والأسود (نساء مصطفات خارج منزل مبني من الطوب).
كيف استُدرجت النساء؟ كيف وقعن فريسة الاستعباد الجنسي؟ لم يكن تجنيد هؤلاء النساء طوعيًا بأي شكل من الأشكال بل تم استدراجهن بطرق متعددة فمنهن من جُندن قسرًا على يد القوات العسكرية، ومنهن من اختُطفن مباشرة تحت تهديد السلاح، وأخريات خُدعن بوعود كاذبة بالحصول على فرص عمل أو رواتب مجزية بل إن بعضهن بيعن من قِبل أسرهن الفقيرة بسبب الوضع الاقتصادي الكارثي الذي كانت تمر به بلادهنّ آنذاك، وفي نهاية المطاف وجدت آلاف النساء والفتيات أنفسهن في مواجهة مصير مظلم تحت مسمى زائف سُمي بـ"فيلق المتطوعات"، وهو الاسم المخادع الذي استخدمه الجيش الإمبراطوري الياباني ليُخفي حقيقة لا تقبل التزوير، وهي أنهن أصبحن (ضحايا لاستعباد جنسي منظّم) ثم سُجلن في ذاكرة التاريخ تحت اسم "نساء المتعة".
نساء يُنقلن في شاحنة عسكرية.
كيف كانت طبيعة الحياة في بيوت المتعة؟ عاشت نساء المتعة في ظروف غير إنسانية أشبه بالسجون بل ربما أشد قسوة حيث كن محتجزات في غرف صغيرة لا تتجاوز مساحتها خمسة إلى سبعة أمتار مربعة مجهزة بأغطية فراش وأدوات تعقيم بسيطة، وقد أُجبرن يوميًّا على ممارسة الجنس مع عشرات الجنود بل وفي بعض الأحيان كان عدد الرجال يتجاوز المئة.

نساء يُنقلن في شاحنة عسكرية.
كان الجنود يصطفون في طوابير طويلة بانتظار دورهم للتمتع بهن بلا رحمة وسط صرخاتٍ تأمر النساء بخلع ملابسهن بسرعة والخروج دون تأخير.
![]() |
جنود يابانيون يقفون في صف ينتظرون دورهم أمام بيت دعارة عسكري خلال الحرب العالمية الثانية في الصين. |
كانت أجساد النساء تُنهك يوميًا تحت وطأة الاغتصاب الممنهج الذي لم يتوقف، ولم يُراعِ أمراضهن، ولا جراحهن، ولا النزيف الدائم الذي كان يفتك بأجسادهن المنهكة، ورغم تدهور صحتهن استمر الجنود في استغلالهن بلا شفقة إلى جانب تعنيفهن جسديًا، وإهانتهن لفظيًا بشكل مستمر، وحُرمن من أبسط مقومات الحياة من طعام وماء ومرافق صحية، وسكن يليق بآدميتهن المسلوبة.
كانت أي محاولة للهرب أو المقاومة تُقابل بالتعذيب الوحشي بل وصل الأمر إلى الإجهاض القسري لمن حملن نتيجة الاغتصاب أو إعدام من تفشت في أجسادهن الأمراض حتى أصبحن عاجزات عن "الخدمة" على حد تعبير الجيش المحتل، وعلاوة على ذلك تعرضت النساء لتهديدات دائمة بإيذاء عائلاتهن إذا فكرن في الانتحار أما ما يُسمى بالرعاية الطبية فلم يكن سوى وسيلة لضمان استمرار الاستغلال فقد كانت تقتصر على علاج الأمراض التناسلية أو منع الحمل أو إنهائه قسرًا بينما خضعت بعض النساء لعمليات تعقيم جبري، وفي خضم هذا الجحيم شهدت كثيرات منهن تعذيبًا حتى الموت أو كن شهودًا على مقتل رفيقاتهن.
![]() |
فتاة صينية كانت ضمن نساء المتعة التابع للجيش الياباني. |
الخلفية التاريخية لنساء المتعة: خلال الثلاثينيات من القرن العشرين (بين عامي ١٩١٠ و١٩٤٥م)، ومع توسع قوات الجيش الياباني في آسيا أنشأ الجيش منظومة سوداء من الاستعباد المنظم كانت النساء أول ضحاياها.. ففي عام ١٩٣٢م افتتح الجيش أول بيوت المتعة العسكرية في مدينة شنغهاي تحت إشراف مباشر منهم بحجة "تسلية الجنود"، والتقليل من انتشار الأمراض الجنسية إضافة إلى محاولة السيطرة على سلوك الجنود خارج المعسكرات، ومن هناك توسعت هذه الشبكة بسرعة كبيرة حتى انتشرت بيوت الدعارة العسكرية في كل الأراضي التي احتلها الجيش الياباني، ويُقدر عدد نساء المتعة ما بين خمسين ألفًا إلى مئتي ألف امرأة غالبيتهن من كوريا.
![]() |
العديد من النساء تم العثور عليهُن في بيوت المتعة في الصين عام ١٩٤٥م من قِبَل مشاة البحرية الأمريكية. |
لماذا كانت النساء الكوريات هدفًا مفضلاً لجنود الجيش الياباني؟ كان السبب وراء تفضيل الجنود اليابانيين للنساء الكوريات في بيوت المتعة مرتبطًا بعدة عوامل أبرزها التقاليد الراسخة في المجتمع الكوري التي تُعلي من شأن العذرية ما عزز الاعتقاد السائد بأن النساء الكوريات غير المتزوجات أقل عرضة للإصابة بالأمراض المنقولة جنسيًا، وهو ما دفع الجيش الياباني لاستهدافهن باعتبارهن فرائس مثالية يسهل إخضاعهن واستغلالهن.
![]() |
الصورة الوحيدة الموثقة لناجية حامل من ضحايا "نساء المتعة" التُقطت في سبتمبر عام ١٩٤٤م في الصين، ويعود مصدر الصورة إلى القوات الصينية الأمريكية المشتركة. |
التناقض المرير بين الادعاءات والواقع: أيمكن لجيش ينشر الداء أن يدعي حماية الصحة؟ زعم الجيش الإمبراطوري الياباني أن "بيوت المتعة" وُجدت لحماية الجنود من الأمراض التناسلية لكن التناقض المرير هو أن أولئك الجنود أنفسهم كانوا ناقلي الأمراض بعدما أصيبوا بها في حملات الاغتصاب الجماعي السابقة خاصة في الحرب الروسية اليابانية حيث كان واحد من كل خمسة جنود مصابًا بمرض تناسلي، وهكذا أصبحت النساء المستعبدات ضحايا جريمة كبيرة تُرتكب باسم "الصحة العامة".
![]() |
مجموعة من النساء الكوريات الناجيات من العبودية الجنسية تحت حماية الجيش الأمريكي داخل معسكر لأسرى الحرب تابع للقوات الأمريكية في المنطقة الحدودية بين بورما (ميانمار) والصين. |
ماذا حدث لنساء المتعة بعد الحرب؟ لم تنتهِ مأساتهُن بانتهاء الحرب بل بدأت معاناة جديدة داخل مجتمعاتهن التي ترى العفة مقياسًا للشرف بغض النظر عن أنهن كن ضحايا استعباد جنسي قسري دون إرادتهن إلا أنهن وُصمن بالعار واعتُبرن "ملوثات / مدنسات" فتعرضن للنبذ، وانفصل الأزواج عن زوجاتهم، وحُرمت الشابات من الزواج والانخراط في المجتمع من جديد.

"تشن يابيان" عندما كانت تبلغ من العمر١٤ عامًا أجبرها الجيش الإمبراطوري الياباني على العبودية الجنسية.

"تشن يابيان" عندما كانت تبلغ من العمر١٤ عامًا أجبرها الجيش الإمبراطوري الياباني على العبودية الجنسية.
حالات الانتحار القسري لنساء المتعة: الحقيقة القاسية أن النساء بعد عودتهن إلى ديارهن قوبلن بالرفض والنبذ، وتعرضن للعنف الأسري من قبل عائلاتهن، وفي ظل هذه الضغوط الثقيلة يجدن أنفسهنّ مجبرات إما على الرحيل بعيدًا حيث لا يراهُن أحد أو اللجوء إلى الانتحار كمهرب أخير من وصمة العار والنبذ القاسي.
شهادات الناجيات ومطالبات بالاعتراف الرسمي: شهدت فترة السبعينيات والثمانينيات بداية الحراك الحقوقي المنظم لمناصرة ضحايا نظام "نساء المتعة" حيث تكونت في كوريا الجنوبية مجموعات دعم بدأت تطالب رسميًا باعتراف الحكومة اليابانية بجرائم الاستعباد الجنسي غير أن الرد الياباني آنذاك تراوح بين الإنكار الصريح والتجاهل الكامل في محاولة للتنصل من المسؤولية.
![]() |
ضابط قومي يحرس مجموعة من السجينات يُقال إنهن من "فتيات المتعة" اللواتي استُخدمن من قِبل الشيوعيين عام ١٩٤٨م. |
وفي أغسطس من عام ١٩٩١م جاءت اللحظة الفارقة حين خرجت الضحية الكورية "كيم هاك سون" بشهادتها العلنية أمام وسائل الإعلام العالمية كاشفة عن تفاصيل مأساتها وما تعرضت له كجزء من منظومة الاستعباد الجنسي. كانت شهادتها بمثابة الشرارة التي أطلقت سلسلة من الحركات الحقوقية المطالبة بالعدالة، وأدت إلى تأسيس منظمات للناجيات أبرزها "جمعية نساء المتعة" في كوريا التي تبنت الدفاع عن قضيتهن والمطالبة بالاعتراف والتعويض.

وفي عام ٢٠٠٠م انعقدت "المحكمة الدولية لجرائم الحرب بشأن النساء" في طوكيو، وهي محكمة شعبية رمزية نظمها نشطاء ومنظمات حقوقية من مختلف دول العالم لمحاكمة المسؤولين اليابانيين المتورطين في قضية "نساء المتعة" باعتبارها جريمة ضد الإنسانية تتحمل الدولة اليابانية مسؤوليتها. استمع القضاة خلال جلسات المحكمة لشهادات مؤثرة من عشرات الناجيات من دول مختلفة ليصدر في الختام حكم رمزي بإدانة الإمبراطور هيروهيتو، والحكومة اليابانية، وعدد من القادة العسكريين، ورغم أهمية المحكمة من الناحية المعنوية والتاريخية إلا أنها لم تكن جهة قانونية رسمية ما جعل أحكامها غير ملزمة ولا قابلة للتنفيذ في ظل غياب اعتراف قانوني صريح من الحكومة اليابانية، وفي المقابل أنشأت اليابان "صندوق آسيا للمرأة"، وقدمت من خلاله مساعدات مالية محدودة لبعض الناجيات تحت مسمى "مبادرة إنسانية" مع الاكتفاء بعبارات عامة مثل: «ما حدث مؤسف»، دون تحمل مسؤولية قانونية أو أخلاقية كاملة، وهو ما قوبل برفض قاطع من قبل الناجيات ومنظمات حقوق الإنسان حيث اعتُبر الأمر محاولة لتتنصل من جوهر القضية.
طالبت الناجيات باعتذار رسمي مباشر وشامل باسم الحكومة اليابانية مع تقديم تعويضات مالية من ميزانية الدولة، وليس عبر التبرعات الخاصة إلى جانب تضمين القضية في المناهج الدراسية، وإقامة نصب تذكارية، واتخاذ إجراءات ملموسة تضمن عدم تكرار هذه الجرائم مستقبلًا.
استمرار الضغط بعد عام ٢٠٠٠م: لم يتوقف الحراك الحقوقي بعد عام ٢٠٠٠م بل استمر ضغط الناجيات ومنظمات حقوق الإنسان محليًا دوليًا وصولًا إلى الأمم المتحدة للمطالبة باعتراف صريح، وتحقيق العدالة، ومحاسبة المتورطين، وإنصاف الضحايا، وفي عام ٢٠١٥ توصلت اليابان وكوريا الجنوبية إلى اتفاق مشترك تضمن تقديم اليابان اعتذارًا ماليًا عبر صندوق خاص لتعويض الضحايا، وتعهدت الحكومتان "بالامتناع عن انتقاد بعضهما البعض بشأن هذه القضية في المجتمع الدولي"، وأُعلن أن القضية "حُلت نهائيًا وبلا رجعة" لكن الاتفاق أثار موجة رفض واسعة إذ لم تُشرك الناجيات في صياغته أو التفاوض بشأنه، ولم يتضمن اعترافًا قانونيًا واضحًا بمسؤولية الحكومة اليابانية التي استمرت في المرواغة والتلاعب بالمصطلحات، بل سُجلت محاولات ممنهجة لحذف أو تهميش القضية من الكتب المدرسية والمراجع الرسمية ما أعاد إشعال الاحتجاجات وأكد أن معركة الضحايا من أجل الاعتراف الكامل ما تزال مستمرة.
«الحصول على اعتذار صادق أهم بكثير من مجرد تعويض مالي. أنا لستُ سلعة تُباع أو تُشترى بالمال حتى لو منحوني اليابان بأكملها فلن يستطيعوا أن يعوضوني عن معاناتي التي استمرت طوال حياتي. لن أقبل أبدًا أي أموال من صندوق المرأة الآسيوية على الحكومة اليابانية أن تقدم اعتذارًا صادقًا وتعوضني مباشرةً».
تقديرات أعداد الضحايا: كم عددهن؟ لا تزال تقديرات أعداد ضحايا "نساء المتعة" متباينة بشكل كبير بين الباحثين والمؤرخين في ظل غياب وثائق رسمية دقيقة إذ قدر الباحث الياباني "هاتا إيكوهيكو" العدد بنحو تسعين ألف امرأة بينما رفع الباحث "يوشيمي يوشياكي" هذا الرقم إلى حوالي مئتي ألف ضحية أما الباحث الصيني "سو تشيليانغ" أستاذ جامعة شنغهاي فذهب إلى أن العدد قد يصل إلى أربعمئة وعشرة آلاف امرأة مستندًا إلى انتشار أكثر من مئة وستين مركزًا لما يُسمى "بيوت المتعة" في منطقة شنغهاي وحدها فضلًا عن ثلاثين مركزًا في الفلبين، وخمسين في ميانمار، وأكثر من أربعين مركزًا في إندونيسيا حيث تعرضت النساء المحليات للاختطاف والاحتجاز والعبودية الجنسية القسرية.
يعود هذا التفاوت في الأرقام جزئيًا إلى قيام السلطات اليابانية عقب انتهاء الحرب بتدمير وإحراق معظم الوثائق والسجلات المتعلقة بتلك الجرائم ما جعل من شبه المستحيل الوصول إلى أعداد الضحايا الحقيقية، وساهم في تمكين الحكومة اليابانية من إنكار أو تقليل حجم مسؤوليتها التاريخية.
إنكار وتبريرات الحكومة اليابانية: لم تنكر الحكومة اليابانية تاريخيًا وجود نساء المتعة خلال الحرب العالمية الثانية لكنها أنكرت المسؤولية الرسمية للدولة في تجنيدهن قسرًا معتبرة القضية ظاهرة "طبيعية" في سياق الحروب الاستعمارية كما لجأت إلى تبريرات تقول إن تجنيد نساء المتعة لم يكن استثناءً خاصًا بالجيش الياباني بل كان موجودًا في جيوش أخرى مثل الجيش الكوري، وهذا الإنكار الجزئي مدعوم بنقص الوثائق الرسمية بسبب حرقها بعد الحرب مما سهل على اليابان تجنب الاعتراف القانوني الكامل بالمسؤولية رغم بعض الاعتذارات المحدودة والتعويضات المالية التي قدمتها عبر صناديق خاصة استمرت الناجيات ومنظمات حقوق الإنسان في رفض هذه الخطوات معتبرين إياها ناقصة وغير كافية، وطالبوا باعتذار رسمي شامل وتحمل كامل للمسؤولية من قبل الحكومة اليابانية.
النُصُب التذكارية… ذاكرة محفورة في الحجر: حين عجزت الحكومات عن تقديم العدالة الكاملة تحولت ذاكرة نساء المتعة إلى مسؤولية تتناقلها الشعوب فكانت النُصُب التذكارية والمتاحف بمثابة شاهدٍ حي على الجريمة، وتخليدًا لجراح النساء التي لا تزال مفتوحة ففي عام ١٩٩٨ افتُتح في العاصمة الكورية سيؤول "متحف السلام لنساء المتعة" ليكون أول متحف مخصص لتوثيق معاناة الضحايا ونشر الوعي بقصتهن حيث يضم شهادات حية وصورًا ووثائق ومقتنيات شخصية ورسائل تضامن من مختلف دول العالم، ومع مرور الوقت امتدت هذه المبادرات خارج حدود كوريا فشهدت مدن مثل نيويورك وتورونتو، وبرلين معارض متنقلة تروي فصول الألم المنسي.
![]() |
عمود القوة في سان فرانسيسكو |
أول نصب تذكاري رسمي لضحايا "نساء المتعة" كان تمثال الفتاة البرونزية الشهير المعروف بـ"تمثال فتاة السلام"، والذي أُزيح عنه الستار أمام السفارة اليابانية في سيؤول بتاريخ الرابع عشر من ديسمبر عام ٢٠١١م بالتزامن مع الذكرى الألف لاعتصامات يوم الأربعاء التي نظمتها الناجيات ومنظمات حقوق الإنسان للمطالبة باعتراف اليابان الرسمي بجرائمها، ومنذ ذلك الحين بدأت تنتشر التماثيل المشابهة داخل كوريا وخارجها في الولايات المتحدة وأستراليا وكندا وغيرها من الدول.. لتتحول القضية إلى رمز عالمي لرفض الاستعباد الجنسي والانتهاكات العسكرية رغم اعتراضات الحكومة اليابانية المستمرة التي اعتبرت تلك النُصُب "تشويهًا لصورة اليابان على الساحة الدولية".
حول التسمية بين قسوة المصطلحات وتلاعب المعاني وحنين الإنصاف: لا تزال التسمية الشائعة "نساء المتعة" تخفي خلف كلماتها خيانة لغوية مؤلمة تُلطف وقع الحقيقة، وتُضلل الذاكرة الجماعية، وكأن ما حدث كان خيارًا شخصيًا قائمًا على الرضا المتبادل بينما الوقائع تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أنها كانت جريمة استعباد جنسي قسري ممنهج، ولهذا يُصر الحقوقيون والناجيات على تصحيح المفاهيم، والتأكيد أن التسمية الأدق والأكثر إنصافًا هي "الاستعباد الجنسي المنظم" لرد الاعتبار للحقيقة، ونزع أقنعة التزييف التي تُطمس معالم الجريمة.
![]() |
بالقرب من السفارة اليابانية في سيول بكوريا الجنوبية، يرفع مؤيدون صورًا لضحايا "نساء المتعة" الراحلات، وذلك خلال المظاهرة الأسبوعية ضد الحكومة اليابانية بتاريخ ٣٠ ديسمبر ٢٠١٥م. |
يفضل الكوريون الجنوبيون اليوم استخدام كلمة "هالموني" وتعني "الجدة"، وهو وصف شعبي دافئ يحمل في طياته الكثير من المودة والاحترام في محاولة لإعادة الاعتبار لهؤلاء النساء، وتكريم نضالهن وذكرياتهن بعيدًا عن وصمة الماضي وأهواله.
تصريحات الضحايا: "ماريا روزا هينسون"، وهي امرأة فلبينية جُندت عام ١٩٤٣م قالت: «لم يكن هناك أي راحة كانوا يمارسون الجنس معي كل دقيقة» أما "لي يونغ سو" التي اعتقلت في الخامسة عشرة من عمرها قالت: «جاء الجيش الياباني واقتادني وأنا نائمة ليلًا. جروني بعيدًا لأنني رفضت دخول غرفة الجنود، وعذبوني بالكهرباء وطعنوني بسكين، لماذا يأخذون الأطفال ويعذبونني هكذا؟ أنا لستُ امرأة متعة. اليابان هي من جعلتني كذلك». الضحية "بارك سوك يي"التي توفيت عام ٢٠١٦م قالت: «لم يكن هناك وطن، كانت أرض اليابانيين منذ أن أصبحنا شعبًا بلا وطن. أخذونا كما يحلو لهم، نُقلنا إلى اليابان، وهناك الكثير من النساء تم نقلهن إلى منشوريا وشنغهاي، وبدأن العمل كنساء متعة لمدة سبع سنوات».
الضحية "لي أوك سون"التي توفيت عام ٢٠٢٢م، قالت: «ضربني الجندي الياباني لأنني لم أُنصت، وركلني عندما شتمته، وعندما تجاهلت حديثه حقًا ضربني ضربًا مبرحًا حتى انهرت ثم جلس فوقي. مزق جميع ملابسي بسكين… لو مزق كل شيء، فماذا سيبقى؟ لن يبقى سوى الدم… كان الدم الأحمر يسيل ثم اغتصبني. ضربني بسكين مثل هذا محاولًا قطع ظفر قدمي الكبير لكنه لم ينزع بالكامل… حتى الآن ما زالت آثار الندبة موجودة، ولو لم تكن لدي تلك الندبة، ربما استطعت أن أنسى… لكن لا أستطيع النسيان فالندبة تذكرني بكل شيء».
أضافت "كيم هاك سون" التي توفيت عام ١٩٩٧م «النساء لديهن دورة شهرية لكن الجيش الياباني لا يميز بينهن. كانوا يجرونك كأنك حقيبة، يستخدمونك كما يشاؤون، وإذا كنت مريضة أو ضعيفة يتخلصون منك أو يقتلونك».
أما "لي كيونغ سينغ" التي كانت من نساء المتعة الكوريات الشماليات (توفيت عام ٢٠٠٤م) فقد قالت «كانوا يكررون أمامنا هذه الكلمات: هل ستكرسين جسدك لإمبراطورية اليابان؟ هل ستعيشين حياة من العبودية الجنسية وتستمعين جيدًا؟ أليس من الأفضل أن تموتي بدلًا من أن تُعاملي كالكلاب؟ كنت أفضل الموت، وطلبت منهم أن يقتلوني. حينها قالوا نعم ثم أحضروا كيسًا وأمروا الجنود بقطع رقبة فتاة أمام أعيننا ثم وضعوا رأسها في الكيس وبعدها قطعوا ذراعها ووضعوها أيضًا ثم ساقيها. عندما شاهدنا ذلك صرخَت جميع الفتيات وسقطن أرضًا من شدة الصدمة بعضهن أغمي عليهن تمامًا. أمسك الجنود بكل فتاة سقطت وأوقفوها ثم قالوا لنا جميعًا: انظروا جيدًا إذا لم تستمعن للأوامر ستمُتن جميعكن بالطريقة ذاتها. إذا كنتن تخشين على حياتكن خصصن أجسادكن لخدمة إمبراطورية اليابان، وامتثلن للأوامر دون تردد».

























