حُبُ يُوهانس برامز الممنُوع

مُصطلح "مثلث الحب" يُشير إلى علاقة عاطفية معقدة تتضمن ثلاثة أطراف  حيث يمثل كل طرف زاوية في مثلث تتشابك فيه المشاعر وتتقاطع الطرق، وغالبًا ما يظهر هذا المفهوم حين ينجذب أحد الأشخاص عاطفيًا إلى شخص مرتبط بشخص آخر مما يُنتج حالة وجدانية معقدة قد تمتد لسنوات، وفي هذه المقالة نسلط الضوء على أحد أكثر مثلثات الحب مأساوية في عالم الموسيقى الكلاسيكية، والذي لم يُعبر عنه بالكلمات أو الاعترافات العلنية بل تجلى في أنغام البيانو ونظرات الصمت والرسائل الدافئة.

تبدأ قصتنا في عام ١٨٥٣م حين قدم عازف الكمان الشهير "جوزيف يواكيم" صديقه الشاب "يوهانس برامز" إلى "عائلة شومان" العائلة التي كانت تُعد من أيقونات الموسيقى في أوروبا آنذاك، وعندما علم الملحن الكبير "روبرت شومان" بموهبة برامز لم يتردد في إرسال بطاقة دعوة له يدعوه فيها لزيارته وعزف بعض من مؤلفاته الخاصة.
معلومة جانبي
ة: كان روبرت شومان ملحنًا مرموقًا، وناقدًا موسيقيًا مؤثرًا أما زوجته كلارا فكانت واحدة من أعظم عازفات البيانو في جيلها، وملحنة موهوبة في زمنٍ لم يكن فيه للنساء مكان واسع في عالم التأليف الموسيقي، ومعًا شكلا ثنائيًا فنيًا وإنسانيًا استثنائيًا وأنجبا ثمانية أطفال: ماري، إليز، جولي، إميل، لودفيغ، فرديناند، يوجيني، وفيليكس، ومع الأسف لم يكن القدر رحيمًا بهم إذ توفي أربعة من أبنائهما لأسباب متفرقة مما أضاف حزنًا إلى حياتهما.

حينما تلقى برامز وكان آنذاك في العشرين من عمره تلك الدعوة ابتهج فرحًا إذ كانت الفرصة سانحة للقاء أحد أعظم الموسيقيين في أوروبا (رأى فيها فرصة ذهبية للقاء أحد أعظم الموسيقيين في عصره) ولم يتردد، بل شد رحاله إلى منزل آل شومان، وهناك عزف أمام روبرت بعضًا من مؤلفاته فانبهر روبرت بما سمع، وركض سريعًا لينادي زوجته كلارا كي تُشاركه الاستماع إلى عزف ذلك الشاب الموهوب.
وعلى إثر ذلك كتب روبرت شومان مقالًا يُشيد فيه بعبقرية برامز
واصفًا إيّاه بـ 'محبوب آلهة الفن'، ومُعلِنًا أنه الوريث الشرعي لعبقرية بيتهوفن والمُنقذ المرتقب للموسيقى الألمانية، وقد شكلت تلك المقالة نقطة تحوُّل مفصلية في حياة الشاب اليافع إذ انتقل من ظلال المجهول إلى بؤرة الضوء وذاع صيته في الأوساط الموسيقية الأوروبية بين عشيّة وضحاها.

نشأت صداقة وثيقة بين هذا الثلاثي قائمة على الاحترام المتبادل والتقدير العميق للفن. كثيرًا ما تبادلوا مؤلفاتهم، وعرضوها على بعضهم البعض قبل نشرها أو تقديمها أمام الجمهور لتبادل الآراء وتحفيز بعضهم البعض على الإبداع غير أن الأقدار شاءت أن تأخذ مسارًا مأساويًا ففي عام ١٨٥٤م وتحديدًا في السابع والعشرين من فبراير تعرض روبرت شومان لانهيار عصبي حاد دفعه لمحاولة الانتحار بالقفز في نهر الراين، ولحسن الحظ أنقذه بعض الصيادين، وبناءً على طلبه أُدخل إلى مصحة عقلية حيث قضى السنتين الأخيرتين من حياته إلى أن وافته المنية في التاسع و العشرين من يوليو عام ١٨٥٦م.

عندما بلغ برامز نبأ محاولة انتحار روبرت شومان هب مسرعًا إلى مدينة دوسلدورف ليكون إلى جانب أصدقائه في محنتهم العصيبة. انتقل للسكن في منزل آل شومان في طابق مستقل، وكرس نفسه لدعم كلارا التي كانت حينها حبلى بطفلها السابع. قدم لها المواساة، وساعدها في رعاية الأطفال، وتحمل عنها الأعباء التي أثقلتها، وكان برامز يزور روبرت بانتظام في المصحة العقلية بخلاف كلارا إذ رفض روبرت رؤيتها في البداية ثم حال الأطباء دون زيارتها له مراعاةً لحالته النفسية الحرجة، ولم يُسمح لها بلقائه إلا في الأيام الأخيرة من حياته حين أدرك الجميع أوان الرحيل فدخلت عليه للمرة الأولى بعد عامين من الفراق لتودعه بعين دامعة وقلب منكسر.

وفي خضم تلك الفترة المضطربة أثناء وجود روبرت في المصحة، وبين لقاءات متكررة ورسائل لا تنقطع بدأت مشاعر الحب تنمو في قلب برامز تجاه كلارا متجاوزةً حدود الصداقة البريئة التي جمعتهما منذ البداية، وبرغم فارق السن بينهما إذ كانت تكبره بأربعة عشر عامًا ظل حبه لها حيًّا متأجّجًا كالنار تحت الرماد يزداد توهجًا كلما تباعدت المسافات، واستمرت المراسلات بينهما لسنوات طويلة حتى نهاية حياتهما حافلةً بكلمات الشوق والحنين، وأحلام لم يُكتب لها أن تتحقق على أرض الواقع.

 

ترملت كلارا في سن السادسة والثلاثين بعد وفاة روبرت، واضطُرت إلى العودة لعزف البيانو لكسب لقمة العيش وتربية أطفالها السبعة. رفضت الزواج مجددًا، وكرست حياتها لعائلتها وللفن، وفي عام ١٨٩٦م توفيت عن عمر يناهز السادسة والسبعين إثر إصابتها بسكتة دماغية في مدينة فرانكفورت أم ماين بألمانيا، ودُفنت بجوار زوجها روبرت أما برامز فقد ظل يحمل الحب في قلبه دون أن يبوح به علنًا.

         كتب ذات مرة إلى أحد أصدقائه يقول: «أعتقد أنني لا أشعر نحوها بالإعجاب فقط بل أجد فيها الحب نفسه. كثيرًا ما أضطر إلى كبح رغبتي في وضع ذراعي حولها بهدوء... لا أدري أشعر أنه من الطبيعي أن تفهم مقصدي أكاد أفقد عقلي».
وفي رسالة أرسلها إلى كلارا عام ١٨٥٥م كتب: «لا أستطيع سوى التفكير فيكِ. ماذا فعلتِ بي؟ ألا تستطيعين إزالة هذه التعويذة التي ألقيتِها عليّ؟» ، وقبل وفاة روبرت بشهرين كتب لها يقول: «محبوبتي كلارا أنتِ عزيزة عليّ بلا حدود.. أعز مما أستطيع أن أعبر عنه... أرغب في أن أقضي اليوم بأكمله أُنادِيكِ بأسماء تُعبر عن حبي، وأمدحك دون أن أشعر بالرضا أبدًا... رسائلك مثل القُبَل».

حافظت كلارا على علاقتها الوثيقة الحنونة مع برامز حتى نهاية حياتها أما هو فقد حاول تجاوز حبه بالانغماس في العمل والترحال وتكوين علاقات عابرة لكنه لم يستقر عاطفيًا على المدى الطويل ففي عام ١٨٥٨م خطب المغنية "أجاثا فون سيبولد" ثم سرعان ما فسخ الخطوبة دون أسباب واضحة.

        وفي عام ١٨٥٩م كتب لكلارا رسالة أخرى عبر فيها عن حبه المكبوت قال فيها: «أنا أحبك! أريد أن أراكِ مجددًا لكنني لا أستطيع احتمال القيود. أرجوكِ، اكتبي لي... فقط ،هل أستطيع أن أعود إليكِ لأضمك بين ذراعي وأقول لكِ إنني أحبك؟».

أُثيرت إشاعاتٌ لم يُكشف عن صدقها أو زيفها: يُقال إن برامز وقع في حب جولي (ابنة كلارا) لكنه كتم هذا الحب ولم يُصرح به أبدًا.
كان برامز يحرص دائمًا على إرسال مخ
طوطات مؤلفاته إلى كلارا قبل نشرها طالبًا رأيها، وقد كانت صادقة في ملاحظاتها تنتقد ما يستحق وتثني على ما يُعجبها، ويُشاع أن جزءًا كبيرًا من موسيقاه قد كُتب خصيصًا لها.

         في رسالة وجهتها كلارا إلى أبنائها قبل وفاتها قالت عن برامز: «كان صديقًا حقيقيًا جاء ليحمل عني أحزاني، وساند قلبي الذي أوشك على الانكسار. رفع معنوياتي، وأضاء روحي كلما استطاع وأينما كان لقد كان باختصار صديقي بمعنى الكلمة».

وبعد رحيل كلارا عام ١٨٩٦م لم يستمر برامز طويلاً إذ بدأت صحته تتدهور بشكل سريع، وأُصيب بالسرطان، وبعد أحد عشر شهرًا فقط من وفاة كلارا لحق بها ليغلقوا بذلك صفحة مثلث الحب العظيم بموتهم جميعًا.

في زماننا الحالي أصبح اسم برامز يُستخدم مجازًا للإشارة إلى أولئك الذين كتب عليهم القدر أن يعيشوا مرارة الحب دون مقابل. هؤلاء الأشخاص يلتزمون بأدبٍ رفيع وأخلاق سامية، ويختارون دفن مشاعرهم بصمت احترامًا لمن يحبون رغم أن قلوبهم تنبض بحبٍ لا يُقابل.

تذكر: "بتر أحد الأطراف أهون من الموت بسبب العدوى"... فبعض المشاعر إن لم تجد مأواها ربما كانت الخلاص في فقدانها.

📝 بِقلمي (اللَّهُمَّ أَحْسِنْ عَاقِبَتِنَا فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَة).

زُمردة

تعطُّشي لِلمعرِفةِ جعلنِي مُحِبة لِتَفسِيرِ ما أقرأُ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الإِتّصال