حكاية العقرب والضفدع

هي حكاية خرافية تتضمن درسًا أخلاقيًا يجب تعلمه، ولذلك غالبًا ما يتم روايتها مرارًا وتكرارًا من جيل إلى جيل لتعليم البشر القيم المذكورة فيها، وللعلم أصل هذه الحكاية غامض (غير معروف)، فغالبًا ما يتم نسبها إلى الروائي إيسوب أو إلى الكاتب الفرنسي جان دي لافونتين، ولكن من المعروف إلى حد كبير أنها مستوحاة من حكاية فارسية قديمة تُدعى ب"حكاية العقرب والسلحفاة" من كتاب "أنوار سهيلي" للمفسر الفارسي حسين بن علي الكاشفي.

يُحكى في ذات يوم أن عقربًا أراد السفر في الآفاق لاكتشاف كل ما هو جديد من باب التغيير لذلك بدأ رحلته من الجبل حيث يعيش مرورًا بالغابات والتلال ثم بعد تسلق الصخور وصل إلى حافة نهر عميق تياره المائي سريع (لن يتمكن من عبوره لأنه لا يُجيد السباحة) لذلك وقف محاولًا لتفقد المكان ليجد حلًا ما (طريقًا تساعده ليصل هناك)، وفجأة صادف ضفدعًا بين الأعشاب، فقرر طلب المساعدة منه بلطف: «مرحبًا يا سيد ضفدع! أنت سباح ماهر ذو ظهر عريض لما لا تجعلني أعبر النهر على ظهرك؟ فأنا لا أستطيع السباحة».

أجاب الضفدع بتردد ساخرًا: «مرحبًا أيها العقرب! هل أبدو لك أحمقًا؟ أنا دائمًا أساعد من يحتاج المساعدة، ولكن أنت عقرب كيف لي أن أساعدك؟ فقد تلدغني وأموت بسُمك القاتل لو سمحت لك أن تقفز على ظهري! أنا لن أفعل ذلك لا يمكنني المخاطرة».

فرد العقرب:«آه أيها الضفدع الغبي لماذا سأفعل ذلك؟ هراء! عندها سنغرق معًا! إذا لدغتك ومُت، فسأموت أنا أيضًا غرقًا معك بالتأكيد لأنني كما ترى لا أعرف السباحة!»

قال الضفدع متسائلًا: «حسنًا، إذن كلامك صحيح، ولكن بمجرد أن نصل للجانب الآخر لا يزال بإمكانك محاولة قتلي! كيف أثق بك؟»

هتف العقرب قائلًا: «فهمت وجهة نظرك أيها الضفدع، ولكن بمجرد أن تأخذني إلى الجانب الآخر من النهر سأكون ممتنًا جدًا لمساعدتك لي لدرجة يصعب عليّ أن أقتلك (لن يكون من العدل أن أكافئك بالموت) أليس كذلك؟ من فضلك ثق بي سأتركك بكل سرور».

فأجاب الضفدع: «لماذا تريد الذهاب للجانب الآخر من النهر؟»
رد العقرب: «يوجد هناك بداية جديدة... عقربة أخرى لأتزاوج معها والمزيد من الفرائس للقتل».
فكر الضفدع في الأمر لبضع لحظات (وجد أن كلام العقرب منطقي للغاية إضافة إلى أنه بهذه الخدمة التي سيقدمها للعقرب سيكون صاحب فضل عليه، بل وقد يساعده على تغيير طبعه الشرير) لذلك سمح له بالصعود على ظهره.

ثم اندفعا عبر المياه المتدفقة حتى وصلا لمنتصف النهر تقريبًا. رفع العقرب ذيله ولدغ فجأة الضفدع في منتصف ظهره. شعر الضفدع بوخزة، ولكي يتأكد نظر بطرف عينه للعقرب فشاهده ينزع إبرته من على ظهره بينما بدأ السم يسري إلى أطراف الضفدع صاح قائلًا للعقرب بفزع: «يا أحمق! لماذا لدغتني؟ لماذا فعلت ذلك؟ لا ألوم إلا نفسي أنت عقرب لم أكن لأتوقع شيئًا أفضل من هذا، ومع ذلك خالفتُ حكمي! والآن حكمت علينا بالهلاك! سوف نموت معًا بالتأكيد!»
أجاب العقرب بينما يغرق: «لم أستطع مقاومة ذلك! هذه طبيعتي الحقيقية لأنني عقرب» ثم غرق الاثنان معًا.

في إصدارات أُخرى تختلف المُجريات كالآتي:

١) عندما شعر الضفدع بحركة خفيفة على ظهره غاص في حالة من الذعر عميقًا تاركًا العقرب ليغرق ثُمَّ قال الضفدع «على أي حال كان سيلدغني لذلك بما أن الأمر لا مفر منه تركتُهُ بِمُفرده هذا يعتبر دفاعًا عن النفس». 

٢) بعدما لسع العقرب الضفدع قال له «يا ضفدعي العزيز لقد عاملتك فقط كما عوملت لقد كان لطفك مسمومًا كلسعة عقرب لذلك العدل هو العدل وكإجراء إِحترازي كنت تستحق هذهِ اللسعة». 

٣) قبل أن يغرق الضفدع بعد لسعة العقرب وقوله له: «الآن سنغرق معًا» رد العقرب : «أنا أستطيع السباحة».

٤) رفض الضفدع مُساعدة العقرب وانتهت الحكاية دون أن يتعلم كليهما شيئًا. 

٥) قال العقرب: «أنا أُحُبُك» نظر الضفدع للأعلى وقال: «ماذا تعني؟» رد العقرب «أنت الضفدع تخاف الآن ومع ذلك أنا متمسك بك ألا يعد ذلك حُبًا؟ أليست هذهِ الثقة حُبًا! ألا يعني هذا أننا لا نستطيع الانفصال عن بعضنا؟» ثُمَّ ساد الصمت بينهُما وسبح الضفدع حتى وصل للنهر ثُمَّ افترقا. 

٦) يطلب العقرب من فيل صغير أن يركب على ظهره كي يعبر النهر، فيبدي الفيل نفس المخاوف التي عبر عنها الضفدع في النسخة السابقة، فيجادله العقرب مُشيرًا لكونه سيموت إذ لدغه، فيوافق الفيل بشرط أن يقف على نهاية خرطومه لأن ظهره سيكون معظمه تحت الماء ثُمَّ يعبر النهر، وفي منتصف الطريق يرفع العقرب ذيله ليلسع الفيل فيزفر الفيل ويهز خرطومه، فيطير العقرب في الماء ثُمَّ ينوح العقرب قائلًا: «لماذا فعلت ذلك؟ أنا لم ألدغك!» فيجيب الفيل :«أعلم أنك لم تلدغني، وأعرف قصتك جِدًا مع الضفدع». 

ما هي العِبر الأخلاقية المُستفادة من الحكاية السابقة؟

١) البشر ينقسمون إلى صنفين: الأول مثل العقرب حيث يمتلك دوافع لا يستطيع كبحها حتى وإن كانت تلك الدوافع قد تؤدي إلى هلاكه. هؤلاء الأشخاص قد يكونون محكومين بطبيعتهم أو تصرفاتهم، وبالتالي لا يمكنهم تجنب الأخطاء أو السلوكيات الضارة لأنهم قد يتبعون رغباتهم دون التفكير بالعواقب بينما النوع الثاني مثل الضفدع الذي يثق بالآخرين بشكل مفرط حيث يكون مستعدًا للمساعدة حتى وإن كانت هناك مخاطر لكن هذه الثقة قد تكون مضللة أحيانًا إذا لم يكن الشخص قادرًا على التعرف على نوايا الآخرين.

٢) الثقة يجب أن تكون مدروسة: الضفدع في القصة يُظهر لنا كيف يمكن أن تكون الثقة في الآخرين ضرورية ولكن في الوقت نفسه يجب أن تكون حذرًا في اختياراتك، فأحيانًا الثقة العمياء يمكن أن تؤدي إلى الخيانة أو الأذى كما حدث مع العقرب.

٣) الثقة تحتاج إلى وقت: الثقة لا تُمنح بسهولة ولا في لحظة، بل تحتاج إلى وقت طويل. مع مرور الأيام يُظهر الوقت الألوان الحقيقية للأشخاص إذ تُكشف تصرفاتهم ونياتهم مع مرور التجارب والظروف، فالأفعال هي التي تُظهر صدق النوايا، وعندها فقط يمكننا تحديد ما إذا كان الشخص يستحق الثقة أم لا.

٤) لا تسمح لأي أحد أن يضعك في موقف خطر: لا تصدق أحدًا مهما كانت حججه مقنعة، فالأفعال قد تكون مختلفة عن الأقوال، ومن الأفضل أن تحمي نفسك من المخاطر.

٥) يجب أن نتغلب على ميولنا المظلمة (الإدمان): علينا السعي للتغلب على العادات السلبية مهما كانت الظروف، والعمل على تقليل الأشياء التي تحفزها، لتجنب الوقوع في فخ الإدمان والعيش حياة أكثر توازنًا.

٦) حاول أن تبتعد عن الأشخاص الساميين: لا تعتقد أنك بطل خارق قادر على تغيير طباعهم في بعض الأحيان الابتعاد هو الحل الأفضل لحماية نفسك من تأثيراتهم السلبية.

٧) لا تقدم فرصًا ثانية: عندما تمنح الفرص مرة تلو الأخرى، فإنك تسمح لنفسك بالتعرض للأذى مجددًا تعلم من التجارب السابقة وابتعد عن إعادة نفس الأخطاء.

الحكاية تُعتبر رمزًا لما هو أبعد من مجرد قصة عن العقرب والضفدع، فهي تُحاكي العديد من جوانب الحياة الإنسانية والاجتماعية والنفسية:

 ١) السياسيون: فسر عالم الاجتماع الفرنسي "جان كلود باسرون" إن العقرب يرمز إلى السياسيين الذين يخدعون أنفسهم بتبرير أفعالهم السيئة أو المدمرة مما يؤدي إلى تدميرهم ودفعهم للهاوية مع أتباعهم الذين يثقون بهم. 

 ٢) المرضى النفسيين: فسر عالم النفس البريطاني "كيفن داتون" إن العقرب يرمز للمرضى النفسيين الذين لا يستطيعون السيطرة على دوافعهم المدمرة مما يوقعهم في مشكلات تضر بهم وبمن حولهم.

 ٣) الرأسمالية: بعض التفسيرات الأخرى تشير إلى أن الحكاية ترمز للرأسمالية حيث يُمثل العقرب الحكومات أو النظم التي تمسك بالسلطة بينما الضفادع تمثل الناس الذين يعتقدون أن هذه الأنظمة تعمل لصالحهم، ليكتشفوا في النهاية أن هذه الأنظمة هي من تضرهم وتلدغهم.

 

📝 بِقلمي (اللهم إني أعوذ بك أن أحاط بالنعم فلا أستشعرها ولا أدرك قيمتها، ربِّ هبْ لي قلبًا راضيًا، و عقلاً قانعًا و لسانًا حامدًا و شاكرًا لك في كل حين و على أي حال).

زُمردة

تعطُّشي لِلمعرِفةِ جعلنِي مُحِبة لِتَفسِيرِ ما أقرأُ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الإِتّصال