خيوط الروح تتدلى من أغصان الحياة وظلال الموت: أمنية معلقة لعلهم يعودون لشعوب التاي
الناشر : زُمردة-
تختلف الشعوب في طريقة تعبيرها عندما تفقد أحباءها فبعضها يعبر بالدموع والصراخ، وبعضها بالصلاة بينما هناك شعوب لا تصرخ ولا تبكي، ولا تطلب شيئًا بصوتٍ عالٍ كشعب التاي الذي يُعبر ويقاوم النسيان بطقوس ناعمة تتمثل في ربط شرائط على أغصان الأشجار في صمتٍ يشبه الصلاة لا للزينة بل للبوح والنداء والرجاء، وفي هذه المقالة نقترب من هذا الطقس لا بوصفه عادة غريبة بل كمرآة لحنين الإنسان كله حين يفتقد من أحب، ولا يجد كلمات فيعلق أمنيته فوق غصن... لعلها تصل .
من هم شعب التاي؟ شعبُ التاي هو من الشعوب ذات الأصول التركستانية يتمايز أبناؤه بملامح آسيويةٍ تمزج بين السمات التركية والمنغولية في مزيجٍ يُجسد تاريخًا متشابكًا بين السهوب والجبال. يستوطنون جمهورية ألتاي الواقعة في جنوب سيبيريا عند مفترق الطرق بين روسيا ومنغوليا وكازاخستان في قلب ما يُعرف اليوم بـ"آسيا الوسطى"حيث تهمس الرياح بحكايات الأسلاف، وتتنفس الأرض من ذاكرةٍ لا تنضب، ورغم أن موطنهم لا يندرج ضمن شرق آسيا جغرافيًا إلا أن ميراثهم الروحي لاسيما الطقوس الشامانية يتقاطع بعمق مع معتقدات الشرق القديم حيث الروح لا تُدفن، بل تُطلق حرّة بين الأشجار، وحيث الأمنيات تُعلّق على الأغصان كأنها رسائل إلى السماء. عُرف التاي تاريخيًا بأنهم قومٌ جوالون امتهنوا الرعي والصيد، وعاشوا في تناغم فريد مع الطبيعة. هذا الانسجام العميق مع عناصر الأرض إلى جانب موقعهم عند تلاقي حضارات متعددة جعلهم جزءًا حيًّا من النسيج الأسطوري المعروف بـ 'أساطير أوراسيا' وهي مرويات غنية تنبض بفهم الإنسان للروح والموت والغيب المجهول.
لماذا يربط شعب التاي شرائط حمراء على الأشجار؟ وما الذي تُمثّله في معتقداتهم؟في معتقدات شعب التاي الشامانية تُعتبر الأشجار جسورًا خفيّة بين عالم الأحياء وعالم الأرواح (كائناتٌ تقف بين السماء والأرض)، ومن هنا جاء طقس أو دعاء، أو حنينٌ لا يُقال. تُعلق هذه الشرائط طلبًا للشفاء أو رجاءً للسلام أو تمنيًا لعودة روح راحلة أو ببساطة للحفاظ على ذاكرة من رحلوا، وغالبًا ما تُربط في أماكن تُعد مقدسة كالأشجار المعمرة والينابيع والجبال لما للطبيعة من مكانة روحية عميقة في وجدان التاي. أما اللون الأحمر فهو ليس مجرد لون بل رمزٌ للدم والحياة والحب والارتباط الخفي بين العالمين، ويُقال إن كل شريط يُربط هو قربان صامت أو نداء عالق في الهواء يُرسَل إلى من لا صوت لهم… لعله يصل لعله يجيب… إن استطاع.
هل الشرائط في طقوس التاي دائمًا حمراء؟ أم هناك ألوان أخرى لها معانٍ مختلفة؟لا تقتصر طقوس التاي على الشرائط الحمراء فقط بل يوجد لكل لون معنى خاص يعكس رغبة أو طلبًا مختلفًا. ١) اللون الأبيض: يرمز إلى النقاء والسلام والروحانية، ويُستخدم لتقديم الطلبات المتعلقة بالسلام الداخلي أو لتهدئة الروح، وقد يرتبط أيضًا بالحماية والطهارة. ٢) اللون الأزرق: يعكس السكون والهدوء، ويُستخدم للتواصل الروحي والشفاء الروحي أو العلاج من الأمراض الجسدية والعقلية. ٣) اللون الأصفر: يرمز إلى القوة والأمل، ويُستخدم في الطلبات المتعلقة بالزراعة أو لبداية حياة جديدة. ٤) اللون الأخضر: يرمز إلى النمو والازدهار والاتصال بالطبيعة، ويُستخدم لطلب البركة والخصوبة في العلاقات أو الحياة بشكل عام.
هل لا تزال عادة ربط الشرائط على الأشجار موجودة حتى اليوم؟نعم، لا تزال عادة ربط الشرائط على الأشجار حية في ثقافة شعب التاي حيث تُعد جزءًا من التراث الروحي العميق الذي يربط الأجيال بعضها ببعض، ويظل هذا الطقس وسيلة للتواصل مع الأرواح والاحتفاظ بذكرى الأجداد.