في مختلف بقاع الأرض تُقام مهرجانات عديدة تعبر عن الفرح أو الأمل أو حتى الذكرى، ومن بين هذه المهرجانات يظل مهرجان الفوانيس واحدًا من أجملها وأكثرها بهجة وسحرًا فهو يحمل في طياته أملًا مشعًا في السماء، وأمنيات تتناثر بين ضوء الفوانيس، وفي هذه المقالة سنتعرف معًا على هذا المهرجان الفريد، وعلى رمزيته، وأسباب حب الناس له في مختلف الثقافات.
ما هو مهرجان الفوانيس؟ مهرجان الفوانيس هو احتفال تقليدي ذو طابع رمزي وروحاني يُقام في عدد من الدول الآسيوية حول العالم أبرزها الصين وتايلاند وتايوان، ويُعرف المهرجان بأسماء متعددة تختلف باختلاف البلد والثقافة لكنه غالبًا ما يرتبط بالاحتفالات الدينية أو الموسمية أو الاجتماعية، ويُشكل مناسبة للتأمل والتعبير عن الأمل والتمنيات، ويتخذ هذا المهرجان طابعًا بصريًا ساحرًا بفضل تنوع الفوانيس المستخدمة فيه، والتي تنقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية لكلٍ منها رمزيته الخاصة:
١) الفوانيس المعلّقة: تُعد الفوانيس المعلقة من أكثر أنواع الفوانيس شيوعًا، وغالبًا ما تُستخدم كزينة تُضفي بهجة على المكان، وكوسيلة إضاءة تُنير الشوارع خلال فترة المهرجان، ولهذا تُعلق في الشوارع والبيوت والمعابد والمطاعم والأماكن العامة لتمنح الأجواء طابعًا احتفاليًا دافئًا.
في بعض الثقافات يُعتقد أن الفوانيس المعلقة تُبعد الأرواح الشريرة وتجلب الحظ السعيد لذا تُعلق على الأبواب والنوافذ كنوع من الحماية الروحية، وتتميز بألوانها الزاهية وزخارفها المبهجة وأشكالها المتنوعة كالكروي والمستطيل والتنين، وكل شكل منها يُعبّر عن معنى رمزي خاص مثل الحكمة والخلود والازدهار.
* يُعتقد في بعض المناطق بتايلاند أن كتابة الاسم على فانوس معلق في المعبد قد يُقرب الشخص من البركة أو الخير، ويمنحه فرصة للحياة الطيبة في المستقبل أو القرب من النعيم حسب المعتقدات البوذية.
٢) الفوانيس المائية (العائمة): تُعد الفوانيس المائية من أكثر مظاهر المهرجان سحرًا وهدوءًا وفرادة، فهي لا تُحلق في السماء كما تفعل نظيراتها، بل تنساب برفق فوق سطح الماء كأنها تهمس للكون بأمنياتٍ تُبحر نحو الأمل.
تضفي هذه الفوانيس مشهدًا خلابًا، وتأتي في أشكال متعددة مثل زهرة اللوتس والقلب وغيرها من الرموز التي تعكس مشاعر الحب والصفاء والوداع.
في الثقافات الآسيوية يُعتقد أن الفوانيس المائية تحمل الأمنيات أو تمثل رسائل تُرسل إلى الأرواح الراحلة، فتكون بمثابة صلاة ضوئية تطفو بهدوء على صفحة الماء كما يُنظر إليها كرمز لتطهير النفس من الأحزان، وبدء صفحة جديدة من الحياة.

تُصنع هذه الفوانيس غالبًا من الورق الخفيف، وتُزود بشمعة صغيرة بداخلها ثم تُترك لتطفو في الأنهار أو البرك أو البحيرات ضمن طقسٍ جماعي هادئ يشبه التأمل الجماعي، ويمنح المشاركين لحظة سلام مع الذات والعالم.
٣) الفوانيس الطائرة: تُعد الفوانيس الطائرة من أكثر أنواع الفوانيس شهرة ورمزية، وتتميز بتصميمها البسيط والمبهر في آنٍ معًا.
يُعتقد أن الفوانيس الطائرة تحمل الأمنيات وتفتح الفرص لتحقيقها، ولهذا يحرص المشاركون على كتابة أمنياتهم على الفانوس قبل إطلاقه، وعادةً ما يتم إطلاق الفوانيس في أوقات خاصة مثل بداية العام أو في المناسبات الاحتفالية الهامة كرمز لبداية جديدة ورغبة في تحقيق الأماني. في هذا الطقس الجماعي تتناثر الفوانيس في السماء محملة بالأحلام والدعوات، وكأنها ترسل الأمل إلى الكون وتمنح كل أمنية فرصة للانطلاق نحو التحقيق.
تُصنع الفوانيس الطائرة عادةً من ورق خفيف وهيكل بسيط، وتُضاء من الداخل بمصدر حراري صغير مما يجعلها ترتفع في السماء. مبدأ عملها يشبه البالونات الهوائية حيث تتحرك بفضل الهواء الساخن الناتج عن شعلة صغيرة داخل الفانوس، وبهذا تُحمل الفوانيس إلى السماء محملة بأحلام وأمنيات المشاركين، ومن هنا يبدأ المشهد المهيب الذي يتحول فيه الليل إلى لوحة ساحرة من النور حيث تتراقص الفوانيس الطائرة في السماء حاملة الأحلام والدعوات نحو الكون.
يُقال: "كلّما حلّق فانوسك عاليًا زاد حظك اقترابًا"، وكأن السماء تفتح أبوابها لمن آمن أن الحلم، وإن كان هشًّا كورقة إلا أنه يستحق أن يُرسل إليها.
كيف يختلف مهرجان الفوانيس بين الثقافات والدول من حيث الطقوس والرمزية؟
١) تايلاند (مهرجان "لوي كراتونغ" و"يي بينغ"): يُحتفل سنويًا في تايلاند بمهرجان "لوي كراتونغ" (الاسم يشير إلى الطوفان الصغير) في يوم اكتمال القمر من شهر نوفمبر حيث تُطلق الفوانيس المضيئة على الماء في مشهد يفيض بالنور والسكينة. يُعد هذا المهرجان مناسبة لتطهير الروح والتخلص من الأحزان إذ يُعتقد أن إطلاق الفوانيس يُسهم في إزالة الطاقات السلبية وفتح أبواب الأمل كرمزٍ لتطهير النفس وطلب الصفح وتوديع الأحزان الماضية.
الفوانيس التي تُطلق على سطح الماء تُعرف باسم "كراثونغ"، وهي قوارب صغيرة تُزيَّن بالشموع والزهور، وتُرسل على مجرى النهر كفعل امتنان هادئ كأنك تهمس للماء: شكرًا على صحتي وحياتي ومن أحب، وشكرًا لكل حضارة أهدتني هذا النور.
أما في شمال البلاد وتحديدًا في مدينة "شيانغ ماي" فتُقام احتفالات "يي بينغ" (الاسم يعني: الشهر الثاني) بالتزامن مع "لوي كراتونغ" حيث تُضاء الفوانيس الطائرة و تُطلَق في السماء حاملةً الأمنيات على ضوء الشعلة في لحظة تُشبه الصلاة الصامتة كأن الناس يُخاطبون السماء بعد أن ناجوا النهر.
في "يي بينغ" يُقال: كلما ارتفع فانوسك في السماء اقتربت أمنيتك من التحقق، وزادت حظوظك في عامٍ مشرق أما إن نسيت أن تُشعل فانوسك في أول ليلة لاكتمال القمر... فقد يفوتك الحظ طوال السنة. رغم اختلاف الطقوس بين الماء والسماء فإن الرسالة واحدة: التخلّي عما يؤلم، وفتح القلب لما يُبهج.
٢) الصين (مهرجان الفوانيس يوان شياو جيه): يُحتفل بمهرجان الفوانيس في الصين سنويًا في اليوم الخامس عشر من رأس السنة الصينية الذي يُعرف أيضًا بـ "مهرجان الربيع" أو "تشونجيه". يُعد هذا المهرجان أحد أبرز الاحتفالات الثقافية في الصين ويُختتم به موسم الاحتفالات برأس السنة. يشمل المهرجان مجموعة من الأنشطة المدهشة مثل عروض الأضواء، رقصات التنين، الألعاب النارية، والمهرجانات التي تقدم الأطعمة التقليدية.
أحد أبرز الطقوس في هذا المهرجان هو إطلاق الفوانيس المضيئة حيث يكتب المشاركون أمانيهم وأهدافهم للعام الجديد على الفوانيس ثم يطلقونها في السماء. من خلال هذا التقليد يعبر الناس عن تمنياتهم بحياة مليئة بالفرح والسعادة، ويُعتبر المهرجان تجديدًا روحيًا وفرصة لجلب الطاقة الإيجابية التي يُعتقد أنها سترافقهم طوال السنة.
٣) تايوان (مهرجان الفوانيس): يُحتفل بمهرجان الفوانيس في تايوان سنويًا في اليوم الخامس عشر من رأس السنة القمرية الصينية والذي يُعرف أيضًا بـ "مهرجان ليلة اكتمال القمر" (وينشياو جيه). يُعد هذا المهرجان من أبرز وأجمل الاحتفالات في البلاد، ويتزامن مع نهاية فترة رأس السنة الصينية ليُمثل وقتًا للتأمل والتجديد وبث الأمل في النفوس.
يتميز المهرجان بإطلاق آلاف الفوانيس المضيئة في السماء حيث يكتب المشاركون أمنياتهم وأهدافهم للعام الجديد على الفوانيس قبل إطلاقها، وتُعد هذه الطقوس رمزًا لتحرير الأحلام وإرسالها إلى السماء تعبيرًا عن بداية جديدة والتخلص من الحظ العاثر وسط اعتقاد بأن هذا الفعل يجلب الطاقة الإيجابية ويعزّز التفاؤل.
إلى جانب الفوانيس يشهد المهرجان أجواءً احتفالية غنية بالعروض الثقافية مثل رقصات التنين، والموسيقى التقليدية، والمهرجانات الشعبية فضلًا عن الأطعمة الخاصة بهذه المناسبة مما يمنح المشاركين تجربة بصرية وروحية لا تُنسى.
الفارق الرئيسي بين الثقافات السابقة يكمن في توقيت وأسلوب
الاحتفال: في تايلندا يركز المهرجان على تطهير الروح والتخلص من الطاقات
السلبية أما في الصين فإن المهرجان يرمز أكثر إلى التقاليد الثقافية
الجماعية مع احتفالات حافلة بالعروض والرقصات، وفي تايوان يُعتبر المهرجان خطوة نحو تجديد الأمل وبداية جديدة حيث يطلق
الناس الفوانيس كجزء من طقوس شخصية تحمل أمانيهم للعام الجديد.
٤) فيتنام (مهرجان الفوانيس في هوي آن): يُقام المهرجان شهريًا في مدينة "هوي آن" القديمة، ويُعد من أجمل وأشهر المهرجانات الفيتنامية على الإطلاق.
تُطفأ أنوار الكهرباء في المدينة القديمة، وتُضاء الفوانيس الورقية الملونة على طول الطرقات وعلى ضفاف النهر، وتُقام خلاله عروض موسيقية شعبية، ورقصات تقليدية، وعروض دُمى ومسرح بالإضافة إلى ألعاب فولكلورية.
كما يصطف البائعون على جانبي الطريق، وتُعرض المأكولات المحلية بروائحها الساحرة بينما يرتدي الناس أزياءهم التقليدية، كأنهم استُدعوا من صفحات كتابٍ قديم في مشهدٍ ينبض بالحياة والحنين.
أما مهرجان منتصف الخريف (تيت ترونغ تو) فهو الأكبر والأشهر، ويُقام مرة واحدة في السنة. يُخصص هذا العيد للأطفال فتغمر الفوانيس الصغيرة أيديهم البريئة، وتحلق الأماني معهم إلى السماء ماء حيث يكتمل القمر وتبتسم الأساطير.
٥) اليابان (مهرجان أوبون): يُقام مهرجان أوبون عادةً في منتصف شهر أغسطس (من ١٣ إلى ١٦ أغسطس) إلا أن بعض المناطق تحتفل به في يوليو وفقًا للتقويم القمري القديم. يُعد هذا المهرجان تقليدًا بوذيًا عريقًا يُكرم أرواح الأجداد ويُحيي ذكراهم.
تُضاء الفوانيس الورقية لأغراض روحية ورمزية إذ يُعتقد أنها ترشد أرواح الأسلاف إلى منازلهم، وتُعلق عند مداخل البيوت والمعابد، وفي ختام المهرجان تُطلق فوانيس عائمة في الأنهار في طقس يُعرف بـ"تورو ناغاشي"، لتوديع الأرواح وإعادتها إلى عالمها بلطف وسلام.
٦) كوريا الجنوبية (مهرجان فوانيس اللوتس): يُقام مهرجان فوانيس اللوتس المعروف بالكورية باسم "يون ديونغ هو" سنويًا في كوريا الجنوبية خلال شهر أيار/مايو احتفالًا بميلاد بوذا. تتزين المعابد والشوارع خلال هذا الحدث الروحي بالفوانيس الورقية المصنوعة يدويًا من الورق والخيزران، والتي تُضاء كرمز للنور الداخلي والتنوير والسلام.
يُعد هذا المهرجان من أقدم التقاليد البوذية في كوريا إذ يمتد تاريخه إلى أكثر من ألف عام، وتحديدًا إلى عهد مملكة شيلا، وخلال الاحتفالات تُنظم مواكب ضخمة للفوانيس تتخللها عروض موسيقية تقليدية، ورقصات فولكلورية، ومشاهد تجسد القصص و المفاهيم البوذية والتاريخ الكوري العريق.
** تُصمم الفوانيس في الغالب على شكل زهرة اللوتس، والتي تُعد رمزًا للنقاء والسمو في الفلسفة البوذية حيث تمثل استنارة الروح وارتقاء النفس فوق شوائب العالم.
٧) إندونيسيا وماليزيا (مهرجان الفوانيس): في إندونيسيا و ماليزيا يُحتفل بـ عيد الفوانيس أو ما يُعرف بـ "تشانغ مي" و "تورو ناغاشي" في بعض المناطق خلال أبريل أو مايو حسب التقويم القمري. خلال هذا المهرجان يتم إطلاق الفوانيس في السماء أو وضعها على الماء لتكريم الأرواح وتحقيق الأمنيات إضافة إلى توجيه الدعوات للسلام والراحة الروحية.
٨) سنغافورة وهونغ كونغ (مهرجان الفوانيس): في سنغافورة و هونغ كونغ يُحتفل بـ مهرجان الفوانيس في منتصف سبتمبر كجزء من عيد منتصف الخريف. يضم المهرجان عروضًا موسيقية وثقافية بالإضافة إلى مسابقات لتصميم الفوانيس. يتجمع الناس من العائلات والأصدقاء للاحتفال معًا حيث تُضاء الفوانيس بألوان مختلفة على ضفاف الأنهار أو في الحدائق العامة مع مسابقات فنية لاختيار أجمل الفوانيس.
٩) ميانمار (بورما): يُحتفل بـ مهرجان تينجيانغ في ميانمار في أكتوبر، وتحديدًا في اليوم الخامس عشر من الشهر القمري حيث يستمر الاحتفال عادةً لمدة ثلاثة أيام. يُعتبر هذا المهرجان من أكبر الاحتفالات البوذية في ميانمار، ويُحيي ذكرى نزول بوذا إلى الأرض بعد قضائه ثلاثة أشهر في التأمل في السماء. يشمل المهرجان تزيين الفوانيس في الشوارع، ويُعتبر أيضًا مناسبة لتقديم الشكر والتكريم للأرواح.
ما هو أصل مهرجان الفوانيس، وما هي أبرز الأساطير التي ارتبطت بنشأته وانتشاره في الثقافات الآسيوية؟ يُعتبر مهرجان الفوانيس جزءًا لا يتجزأ من الثقافة الصينية القديمة حيث يعود تاريخه إلى أكثر من ٢٠٠٠ عام. يُرجح أن بداية هذا المهرجان كانت في عهد أسرة هان الغربية (٢٠٦ ق.م – ٢٥ م) حيث ارتبط في بدايته بالممارسات البوذية.
الأصل الديني (البوذي) : في
عهد الإمبراطور مينغ من أسرة هان الشرقية الذي كان مناصرًا للبوذية سمع
أن الرهبان كانوا يضيئون الفوانيس في الليلة الخامسة عشرة من الشهر القمري
الأول تكريمًا لبوذا، فأصدر الإمبراطور مرسومًا يقضي بإضاءة المصابيح في القصر والمعابد، وحث كل أسرة على تعليق الفوانيس في تلك الليلة.
بدأ المهرجان في القصور ثم انتقل إلى الشوارع والمدن الكبرى حتى شمل مختلف أنحاء الصين، ومع مرور الزمن تحوّل هذا الطقس الديني إلى احتفال شعبي واسع، وغدا مهرجانًا سنويًا يحتفي فيه الناس بالنور، والأمل، والبركات حتى أصبح من أبرز المهرجانات الثقافية في الصين، وسرعان ما انتقل إلى بلدان آسيوية مجاورة ككوريا واليابان بفضل التأثير الواسع للثقافة الصينية في المنطقة.
الجانب الشعبي والأسطوري: من الأساطير الشعبية المثيرة للاهتمام المرتبطة بهذا المهرجان كما يلي؛
١) إحياء ذكرى "شغب عشيرة لو": وفقًا للروايات التاريخية حين تُوفي الإمبراطور "ليو بانغ" مؤسس سلالة هان (الذي حكم من عام ٢٠٦ ق.م إلى عام ١٩٤ ق.م) اعتلى ابنه الإمبراطور "هوي" من هان العرش في عام ١٩٤ ق.م، وقد عُرف الإمبراطور هوي بطبعه المسالم و المتردد مما جعله غير قادر على إدارة شؤون الإمبراطورية بفعالية، وهذا ما أفسح المجال أمام والدته (الإمبراطورة لو تشي) المنتمية إلى عشيرة لو لبسط نفوذها والتحكم تدريجيًا في مقاليد الحكم.
بدأت الإمبراطورة لو بإقصاء العديد من أفراد عشيرة ليو (العائلة المالكة المؤسسة للسلالة) والوزراء الموالين لهم ومنحت المناصب العليا والسلطة لأقاربها من عشيرة "لو" (عززت نفوذ عشيرتها) حتى شاع الخوف في أرجاء البلاط، وعم الصمت بين الموالين. كانت تتخذ القرارات الكبرى نيابةً عن ابنها حتى انتقلت السلطة فعليًا إلى يدها.
وبعد وفاة الإمبراطور هوي في عام ١٨٨ ق.م استمرت الإمبراطورة لو في الحكم كوصية على العرش، وعلى الرغم من براعتها في إدارة الدولة، فإنها لم تحظ بشعبية بسبب قسوتها وصرامتها في القضاء على المعارضين.
عند وفاتها في عام ١٨٠ ق.م حاولت عشيرتها الاستيلاء على العرش، فاجتمع أفراد عشيرة لو في منزل الجنرال لو لو وتآمروا سرًا لشن انقلابٍ سياسي غير أن هذه المؤامرة بلغت مسامع "ليو شيانغ" ملك مملكة تشي وأحد أبرز أمراء عشيرة ليو، فبادر إلى التحالف مع الوزير المخضرم تشو بو، وقادا تمردًا عسكريًا ناجحًا أنهى نفوذ عشيرة لو، وفي أعقاب الانتصار اعتلى "ليو هينغ" المعروف باسم الإمبراطور "ون" من هان وهو الابن الثاني للإمبراطور ليو بانغ العرش في عام ١٨٠ ق.م ليبدأ عهدًا من الإصلاح السياسي والاستقرار، ولتخليد هذا الحدث المفصلي الذي أعاد التوازن إلى الإمبراطورية أمر الإمبراطور ون بأن يُحتفل في اليوم الخامس عشر من الشهر القمري الأول وهو اليوم الذي أُخمدت فيه فتنة "لو" عبر إضاءة الفوانيس في كل بيت، وتزيين المدن بالألوان الزاهية رمزًا للنور الذي تغلب على الظلمة، وللسلام الذي حل بعد الفتنة.
٢) أسطورة دونغفانغ شو وفتاة مهرجان الفوانيس : في عهد الإمبراطور وو من أسرة هان برز رجل يُدعى "دونغ شو" عُرف بذكائه وحنكته حتى حاز على ثقة الإمبراطور ومحبّته وأصبح مستشاره. كان حضور دونغ شو في البلاط لافتًا إذ سُمِح له بالدخول والخروج من القصر كما يشاء دون قيود أو حواجز في وقتٍ كانت فيه ضوابط البلاط صارمة لا تُخترق.
كان يبدو عفويًا في مظهره بسيطًا في هيئته لكنه لطيف القلب صادق النية. لم يكن من أصحاب المكر أو التملق، بل كان يعبر عن رأيه ببساطة، ويستغل قربه من الإمبراطور "وو" ليعرض عليه مطالب خفيفة الظل مثل توسطه من حين لآخر في شؤون بعض الجواري الجميلات داخل القصر.
في يومٍ شتويٍ شديد البرودة خرج المستشار دونغفانغ شو إلى الحديقة الإمبراطورية ليقطف أزهار البرقوق هديةً "للإمبراطور وو".
وأثناء تجوله في الحديقة صادف مشهدًا مفجعًا إذ لمح خادمةً من خادمات القصر تُدعى "يوانشياو"، والدموع تنهمر على وجنتيها، وكانت تستعد للانتحار بالقفز في بئر. سارع دونغفانغ شو إلى إنقاذها، وسألها عن السبب، فأخبرته بأنها ومنذ دخولها القصر لم ترَ عائلتها قط، وتزداد لوعة الشوق في قلبها كلما حل الربيع.
شعرت بالعجز والندم لعدم قدرتها على أداء واجبها البنوي تجاه والديها، وفضلت الموت على هذا العذاب. قالت بأسى وصوتها يرتجف كأغصان البرقوق تحت الثلج: «منذ دخلتُ هذا القصر لم أرَ وجوه أحبتي. في كل عام عندما يحل آخر العام ويبدأ الربيع أفتقد عائلتي أكثر من المعتاد، وتزداد نيران الشوق في قلبي، ولا أملك سوى الدموع. كيف أكون ابنةً صالحة وقد عجزت عن أداء بري لمن رباني؟ أشعر أنّه بما أنني لا أستطيع القيام بواجباتي البنوية تجاه والدي، فسيكون من الأفضل أن أموت».
رق قلب دونغفانغ شو لحالها، وشعر بتعاطفٍ عميقٍ تجاهها، فوعدها بأن يجد حيلةً ليجمع شملها بعائلتها مجددًا «سأجد سبيلًا.. حيلةً ذكية تجمعك بمن تحبين، لا تستسلمي فالحياة وإن قست تمنحنا دومًا نافذةً صغيرة نحو النور».
في اليوم التالي غادر دونغفانغ شو القصر وأقام كشكًا لقراءة الطالع في شارع تشانغآن. تجمهر الناس من كل صوب يتسابقون لمعرفة حظوظهم لكن المفاجأة التي أربكت الجميع أن نبوءة كل من استشاروه كانت واحدة: «ستحترق حتى الموت في اليوم السادس عشر من الشهر القمري الأول»
انتشرت النبوءة انتشار النار في الهشيم، وعم الذعر مدينة تشانغآن. تقاطر الناس على "دونغفانغ شو" متوسلين إليه أن يجد حلًّا لهذه الكارثة الوشيكة، فقال لهم بنبرة مشوبة بالغموض: «في مساء اليوم الثالث عشر سترسل السماء إلهةً حمراء لتفقد المدينة وهي رسولة إله النار، وقد أُمرت بإحراق تشانغان» ثم سلمهم بطاقة حمراء كُتبت عليها أبيات مبهمة، وأوصاهم بأن يقدموها للإمبراطور بنفسه ليتدبّر الأمر.
هرع العامة إلى القصر يحملون البطاقة كأنها طوق النجاة، وعندما وصلت إلى يد "الإمبراطور وو" قرأها بدهشة وقلق: «تشانغآن في خطر سيحترق القصر الإمبراطوري وستتوهج النيران الحمراء خمسة عشر يومًا في الليل» ارتعد الإمبراطور من هول ما قرأ، وأمر بإحضار دونغفانغ شو على الفور.
مثل الحكيم الذي يخبئ الحل في كمه تظاهر دونغفانغ شو بالتفكير ثم قال: «سمعتُ أن إله النار يحب كرات الأرز الدبقة التي تحضّرها يوانشياو عادة لجلالتك. ما رأيك أن تطلب منها أن تعدها خصيصًا في الليلة الخامسة عشرة؟ كما على جلالتك أن تُحرق البخور وتُقدّم القرابين، وتصدر أمرًا لكل عائلة في كيوتو بإعداد هذه الكرات وتقديمها كقربان لإله النار ثم تأمر الرعية بتعليق الفوانيس وإشعال الألعاب النارية في أرجاء المدينة، لتبدو وكأنها تشتعل فعلًا، فيُخدع إمبراطور اليشم وتُلغى الكارثة، وأخيرًا دعُ الناس من خارج المدينة يأتون لمشاهدة الفوانيس ويختلطون مع أهلها، ليتحول الخطر المرتقب إلى احتفال شعبي درءًا للمصيبة وحلًا للمشكلة».
أُعجب الإمبراطور بالخطة، وأمر بتنفيذها حرفيًّا وعلى الفور دون تردد، وفي اليوم الخامس عشر من الشهر القمري الأول تحولت مدينة تشانغآن إلى بحر من الأضواء فالفوانيس الملونة تزين الطرقات، والألعاب النارية تملأ السماء بألوانها البهية مُعلنةً عن بدء مهرجان غير مسبوق، وكان الناس يتجولون في الشوارع بأثوابهم الزاهية والفرحة ترتسم على وجوههم كما امتلأت المدينة بالزائرين من داخلها وخارجها، وقد خُيل إليهم أنهم جاؤوا للاحتفال غير مدركين أنّهم جزء من خطة محكمة لإنقاذ العاصمة من خطر وشيك.
وفي خضم هذا الزحام كانت يوانشياو تقف وسط الحشود تترقب بعينين دامعتين وخفقان قلبٍ لا يهدأ... ولم تكد تمر لحظات حتى لمح والدها وأختها فانوسًا كبيرًا كُتب عليه اسمها، فصاحا بفرح: «يوانشياو!» وما إن التفتت إلى الصوت حتى اندفعت نحوهم، واحتضنتهم بحرارة بعد فراقٍ طال. امتزجت الدموع بالضحكات، وكان اللقاء مشهدًا مؤثّرًا طال انتظاره تُوج بفرحٍ عارم لا يُنسى.
وهكذا لم تقتصر نتائج هذه الخطة على درء الكارثة فحسب، بل جمعت كذلك شمل عائلةٍ افترق أفرادها طويلًا، وفي ختام هذه الليلة الزاهية أُعلن نجاح الخطة، وبقيت مدينة تشانغآن آمنةً وسالمة لم يمسها سوء. ابتسم الإمبراطور وو من هان ابتسامة رضا، وأمر أن يُحتفل بهذا اليوم من كل عام، وأن تُقدم كرات الأرز اللزجة المعروفة باسم "يوانشياو" كقربان رمزي لإله النار، وتذكار لفتاة اشتاقت إلى عائلتها، وحيلة أنقذت مدينة بأكملها.
ومنذ ذلك الحين أضحى اليوم الخامس عشر من الشهر القمري الأول مناسبةً سنويةً تُزين فيها المدينة بالفوانيس، وتُوزّع فيها كرات الأرز إحياءً لذكرى الليلة التي اجتمع فيها الذكاء بالرحمة، والخديعة بالحكمة، فغدا هذا اليوم يُعرف بـ"مهرجان الفوانيس"، وتحمل كرات الأرز اسم "يوانشياو" تيمنًا بتلك الفتاة التي أضاءت القلوب كما أضاءت المدينة.
٣) بينغشي: يقال إن فوانيس السماء تعود أصولها إلى فترة الممالك الثلاث، وهي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمستشار العسكري الشهير "تشو قه ليانغ" المعروف بلقب "كونغ مينغ"، فوفقًا لبعض الروايات التاريخية استخدم تشو قه ليانغ هذه الفوانيس كوسيلة لإرسال إشارات عسكرية أثناء المعارك مستفيدًا من مبدأ الحرارة المتصاعدة لجعل الفوانيس تطفو في السماء، وبفضل تصميمها الذي يشبه قبعة كونغ مينغ أُطلق عليها اسم "فوانيس كونغ مينغ" تيمّنًا به.
أما في منطقة بينغشي في مدينة تايبيه الجديدة، فتوجد قصة مشهورة حول الفوانيس، ففي الماضي كان سكان المنطقة يختبئون في الجبال النائية هربًا من قطاع الطرق الذين كانوا يسببون الفوضى في المنطقة وعندما انتهت هذه الأزمة،استخدموا الفوانيس السماوية كإشارة لإعلام القرويين بعودة الأمن وأمان العودة إلى ديارهم، ومنذ ذلك الحين تحولت هذه الفوانيس من وسيلة لإعلان السلامة إلى تقليد محلي يرمز إلى الدعاء والبركة.
٤) نظرية "الثلاثة يوان": ترتبط عادة إضاءة الفوانيس خلال مهرجان الفوانيس في الصين بجذور طاوية عميقة تُعرف بـ"نظرية الثلاثة يوان"، ووفقًا لهذه النظرية هناك ثلاثة مهرجانات روحية رئيسية تُقام في اليوم الخامس عشر من ثلاثة أشهر قمرية مختلفة، وتُعرف بـ"مهرجانات اليَوان الثلاثة":
مهرجان "شانغ يوان" في الشهر القمري الأول، ويُخصص لتكريم "مسؤول السماء".
مهرجان "تشونغ يوان" في الشهر القمري السابع، ويُكرم فيه "مسؤول الأرض".
مهرجان "شيا يوان" في الشهر القمري العاشر، ويُكرم فيه "مسؤول المياه أو البشر".
يُعتبر "شانغ يوان" الذي يصادف اليوم الخامس عشر من الشهر القمري الأول يومًا مباركًا يُفرح فيه مسؤول السماء، ويُعتقد أن إضاءة الفوانيس فيه تجلب البركة والنور، ولهذا يشعل الناس الفوانيس في هذه المناسبة احتفاءً بالضياء السماوي، وتعبيرًا عن أمانيهم في حفظ التوازن بين السماء والأرض والبشر، وفي طلب السلام والسعادة من القوى العليا.
٤) أسطورة الطائر السماوي وغضب الإمبراطور اليشم : تقول الأسطورة إنه في زمن بعيد حين كانت الوحوش الشرسة والطيور المؤذية تعيث في الأرض فسادًا تُهاجم القرى وتفترس الماشية وتُرعب الناس اضطُر البشر إلى الاتحاد وتنظيم صفوفهم لمحاربة هذا الخطر الداهم.
وذات يوم وفي خضم هذه المعركة الطويلة مع الطبيعة هبط طائر سماوي بديع من علياء السماء، وقد ضل طريقه إلى الأرض. كان في حقيقته مخلوقًا إلهيًا عزيزًا على إمبراطور اليشم لكن أحد الصيادين ظنًّا منه أنه من تلك الكائنات المؤذية أطلق عليه النار وقتله دون أن يدرك فداحة ما اقترفه.
عندما بلغ الخبر إمبراطور اليشم استشاط غضبًا واعتبر مقتل طائره العزيز إهانة سماوية لا تُغتفر، فأصدر أمرًا لجنوده السماويين بنزول العقوبة على البشر بأن تُحرق الأرض بمن فيها جزاءً لما اقترفوه، وحدد اليوم الخامس عشر من الشهر القمري الأول موعدًا لتنفيذ الانتقام.
لكن قبل أن يحين ذلك اليوم المشؤوم نزلت الجنية السماوية ابنة إمبراطور اليشم ذات القلب الرؤوف الذي تأثر بحال البشر على سحابة مضيئة كالنجمة، وأتت إلى الأرض سرًّا وأخبرت الناس بما سيحدث لتنذرهم بما يوشك أن يحلّ بهم.
قالت بصوت رقيق كنسيم الرياح: «في اليوم الخامس عشر ستهبط النيران السماوية، ولن تُبقي منكم أحدًا …احذروا، وابحثوا عن وسيلة تنجيكم» ثم اختفت كما ظهرت، فحل الرعب في نفوسهم، وارتجف أهل القرية، وهم لا يعرفون كيف ينجون من هذا الغضب الإلهي المتأجج، فاقترح رجل عجوز حكيم حيلة ذكية، وهي أن يشعل الناس فوانيس حمراء ومشاعل على البوابات، ويطلقوا الألعاب النارية والمفرقعات في كل مكان، ليبدو الأمر وكأن الأرض قد اشتعلت فيها النيران والدخان بالفعل.
قال: «أضيئوا الفوانيس في كل بيت، وأطلقوا الألعاب النارية و المفرقعات حتى تظن الأرواح السماوية أن النار قد فعلت فعلها، وأن الأرض قد احترقت فعلاً، يجب أن تخدعوا السماء».
وفي الليلة الموعودة نفذ الناس نصيحة الحكيم أضاءوا الفوانيس، وأشعلوا المشاعل، وأطلقوا الألعاب النارية والمفرقعات في كل زاوية من القرية حتى غمرها النور والدخان، وحين حل الموعد ونظر إمبراطور اليشم من عليائه رأى الأرض غارقة في وهجٍ كأنها تحترق، فظن أن انتقامه قد تحقق. هدأ غضبه ورضي عما رأى، فسحب أمره وعفا عن البشر. لقد نجحت الخدعة... وخُدع الإمبراطور، فأنقِذت القرية من الهلاك.
ومنذ ذلك الحين صار الناس في الخامس عشر من الشهر القمري الأول يضيئون الفوانيس ويطلقون الألعاب النارية لا لدرء الشر فقط، بل امتنانًا لتلك الحيلة التي أنقذتهم، واحتفاءً بذكاء الإنسان الذي واجه غضب السماء بالنور والمكر. صار الضوء رمزًا للخلاص، والمهرجان تقليدًا خالدًا يُحيي في القلوب ذكرى النجاة، ويُشعل في الأرواح شعلة الامتنان عامًا بعد عام.
* في روايةٍ أخرى من الأسطورة نزلت الجنية من السماء خفية متخفيةً في هيئةِ عجوزٍ وقورة، وجابت أزقة القرية تُنذر أهلها بالمصيبة الوشيكة، وفي رواياتٍ أُخرى قيل إن الجنية لم تُخاطب الجميع، بل همست بسرها إلى حكيمٍ وحيد غرست في قلبه بذرة الفهم وكأنها تبحث عمن يملك البصيرة لا السمع، والنباهة لا الفضول.
٥) مرتبط بعهد الإمبراطور" وو": يُقال إن "الإمبراطور وو" من أسرة هان هو من بدأ تقليد إضاءة الفوانيس بشكل رسمي في عام ١٠٥قبل الميلاد، فقد أمر الإمبراطور بإضاءة الفوانيس في معبد "جانكوان" كجزء من طقوس تقديم القرابين لإله السماء "تايي" الذي كان يُعتبر الإله الأعلى في المعتقدات الطاوية آنذاك، وكان يُعتقد أن إله تايي يتولى السماء والأرواح، وكان يُعبد كإله للطبيعة والكون في الطاوية.
٦) الطائر الجدير بالثناء: وفقًا للتقاليد البوذية في نصوص أوراق النخيل كان هناك طائر يحمل شمعة في منقاره، وقد طار حول بوذا ليكسب الفضل الروحي، وفي النهاية حصل الطائر على مكافأة كبيرة في حياته التالية حيث نال سعادة دائمة.
مهرجان الفوانيس وعلاقته بالحب: في الصين القديمة كان مهرجان الفوانيس يُعتبر مناسبة ذات طابع رومانسي مميز حتى أن البعض كان يطلق عليه "عيد الحب الصيني التقليدي"، ففي تلك الحقبة كانت النساء محكومات بقيود اجتماعية صارمة تمنعهن من الخروج بحرية، ومع حلول هذا المهرجان كان يُسمح لهن أخيرًا بالخروج من منازلهن مما أتاح لهن فرصة التفاعل الاجتماعي مع الرجال، وقد أسفرت هذه اللحظات من التحرر عن نشوء العديد من قصص الحب حيث وقع الشباب في حب الفتيات اللاتي التقوا بهن لأول مرة، وهكذا أصبح المهرجان يحمل طابعًا رومانسيًا خاصًا في تلك الفترة.







.gif)












_(mamianqun_and_yesa).jpg)














