مقولة عرض ترومان

عرضُ تُرومان هو فيلمٌ كتبهُ المُخرِجُ أندرو نيكول يطرحُ فيه قضيةً مُثيرةً للجدل تتعلّقُ بـ «الطبيعةِ ضدَّ التنشئةِ»، ومَن يجبُ أن يتحكّمَ في حياتِه؟ فهل شعرتِ يومًا بأنكِ مُراقَبةٌ؟ أنكِ لستِ وحدكِ في منزلِكِ؟ ربما تكونُ حياتُكِ عبارةً عن برنامجٍ تلفزيوني، وكلُّ مَن عرفتِهِم كانوا مجردَ مُمثلين يتظاهرون بأنّهم أقاربُكِ؟ أكثرُ من نصفِ العالمِ يُراقبُكِ! حسنًا عرض ترومان يتحدث عن هذا الأمر.

 

يروي الفيلم قصة رجلٍ عادي يُدعى ترومان الذي يعيش حياة طبيعية مثالية إلى حدٍّ غير مُحتمل تُشاهَد مباشرة على مدار أربعٍ وعشرين ساعة يوميًا بلا أي رقابة كمسلسل تلفزيوني يراه العالم بأسره، وهو النجم الجاهل الوحيد الذي لا يعلم أن كل شيء من حوله حرفيًا حتى الشمس ليس حقيقيًا. جميع الأشخاص الذين يعرفهم ليسوا سوى ممثلين... 

 

حتى يبدأ وأخيرًا يشك في أن عالمه وحياته تخضع لسيطرة قوى خارج نطاقه (يتم التلاعب بها)، والتي يتضح لاحقًا أنها تحت سيطرة منتج تلفزيوني يُدعى كريستوف والشخصيات حوله هي في الواقع دمى معلقة على خيوط بيده تتحرك وفقًا لما يُصمم من سيناريوهات مُحددة، ولكن في النهاية يُدرك ترومان تدريجيًا أن حياته مجرد خدعة ضخمة (حلقة مفرغة من ردود الفعل السلوكية النمطية والمتوقعة)، فيقرر ترك المدينة المثالية والانطلاق لاكتشاف ومواجهة العالم الحقيقي، فبالرغم من وجود الأكاذيب والأذى فيه إلا أن الحقيقة القاسية دائمًا أفضل من عالم وهمي مزيف. 

ما تفسير سبب مشاهدة الناس لبرنامج "ترومان شو"؟
ببساطة لأن جميع البشر يعيشون حياة مزيفة يتم التحكم فيها والتلاعب بها من قبل وسائل الإعلام فحتى الأشخاص من حولهم ربما بقوة أعلى، ولا أحد يراها، وهذا ما يفسر سبب مشاهدة الناس لبرنامج "ترومان شو" لأنه حقيقي!

إذن لماذا لم يكذبوا ويخبروا ترومان بأنه لا يوجد شيء حق
يقي وراء ذلك الباب؟ ألن يضمن ذلك بقاءه في العرض إلى الأبد؟ لكن هذا لم يحدث، ولم يحدث لماذا؟ لأن الناس والمشاهدين بحاجة إلى شيء حقيقي، وهذا سبب نجاح برنامج "ترومان شو" فترومان هو الشيء الوحيد الحقيقي في العالم بأسره على الرغم من أن بيئته تُدار ويتم التلاعب بحياته إلا أن شخصيته الحقيقية تبقى ١٠٠٪ (بشخصه) لهذا السبب يريد الناس مشاهدته لأنهم بحاجة للهروب من كذبهم وحياتهم الزائفة إلى حياة شخص آخر حقيقي.
أقوال:

١) يُقال إن الفيلم يقدم لنا وجهة نظر عن المسيحية فحتى من المعاني الخفية لأسماء الشخصيات يمكن معرفة ذلك فمثلاً اسم "كريستوف" بشكل متعمد يشبه معنى (المسيح بعيدًا = الرب خاطئ) بينما "ترومان" يعني شخص حقيقي. 

٢) يُقال أحيانًا إن الفيلم يمدح المسيحية، وأحيانًا أخرى يُقال إن القصة معادية للدين إذ ينتقد المسيحية بشدة ولذلك تبدو الفكرة الرئيسية على النحو التالي: إذا كان الرب موجودًا (حقيقيًا) عندئذ يكون لدى الإنسان مجرد وهم الاختيار، وفرصه محدودة جدًا لاتخاذ القرارات بمفرده لأن الرب هو المحرك الرئيسي الذي يقرر ما سيحدث لنا ومتى، والبشر مجرد دمى تتحرك وفق إرادته، وهذا يعني أن واقعنا بأكمله مزيف ومُنسق مسبقًا فلا شيء يحدث عشوائيًا، ولا شيء من اختياراتنا حقيقي بالكامل: كل شيء يتحكم فيه كيان لا نعرف مدى وجوده، ولا يعتمد علينا سوى القليل، ويُفسر الفيلم هروب ترومان أخيرًا من عالمه الوهمي على أنه الحل الأساسي فهروبه يمثل الابتعاد عن العقائد الدينية التي تعتبر قديمة أو مقيدة، والبحث عن الحرية الحقيقية بعيدًا عن التحكم المطلق.

 

تركيز:
١) يُقال إننا ننغمس في مشاهدة وسائل الإعلام المُرصعة بالأوهام النابضة بالحياة: أوهامٌ خُلِقت في الأساس لخدمة مصالح أصحاب السلطة، وإن أردنا أن نكون أحرارًا بحق فعلينا أن ننتزع أنفسنا من دائرة الأمان والراحة، ونبتعد قليلًا عن ثقافتنا المُشبعة بالمحتوى الإعلامي لنواجه العالم كما هو لا كما يُقدم لنا.
٢) يُظهر الفيلم طبقاتٍ تُذكرنا بأن عالمنا الحقيقي يخضع للمراقبة أيضًا: بدءًا من تقنية التعرف على الوجوه التي تنتشر في المتاجر وصولًا إلى تتبع معاملاتنا عبر بطاقات الائتمان. كل ذلك يُمهد لصورة مُخيفة: إذا أخطأت قولًا أو فعلًا فثمة حكومات استبدادية تمتلك القدرة على ملاحقتك عبر الأجهزة التي تتحكم بها في أدق تفاصيل حياتك.
٣) يُمكن اعتبار نهاية الفيلم بمثابة استعارة واضحة للنمو الإنساني فهو مسار رمزي يشبه رحلتنا نحن: من طفولةٍ هادئة إلى تمرد المراهقة ثم إلى صخب البلوغ وما فيه من صدام مع الحقيقة.
٤) في الواقع ظهر اضطراب عقلي فريد في عصرنا يُسمى "وهم ترومان" يشعر فيه المرء يقينًا أنه بطل برنامج واقعي خيالي تُراقبه العيون من كل زاوية.
٥) في بعض التحليلات يُقال أن برنامج ترومان يُعد هجاءً اجتماعيًا لاذعًا يفضح فراغ الحلم الأمريكي الحديث ا
لذي صاغته النزعة الاستهلاكية وروجت له وسائل الإعلام الإلكترونية طوال نصف قرن.

 

نصيحة وتأمل:
نحن البشر مث
ل ترومان نتقبل واقع العالم الذي يقدم إلينا، نقبل كل شيء تقريبًا في حياتنا دون فحصه عن كثب! دون نقاش! ترومان ذهب مع التيار لسنوات عديدة وفعل ما كان متوقعًا منه! كيف حدث أنه لمدة ثلاثين عامًا لم يشك للحظة في أنه يعيش في عالم خيالي؟ إذا فكرنا لثانية على الأقل في ما نراه من حولنا وما نحن أنفسنا مستعدون لغض النظر عنه على أساس يومي فإن إغفال ترومان لن يبدو محرجًا بعد الآن، وإذا كان كل شيء في عالمه يتركز على مهمة واحدة وهي تشكيل واقع معين لشخص واحد فعندئذ لدينا نحن أيضًا أعذار أقل بكثير لعدم رؤية الشيء نفسه من حولنا. 

 

اسأل نفسك: ما الذي تريده أنت حقًا؟ وما الذي فُرض عليك دون أن تنتبه؟
عادةً ما تكون القو
ى قوية وعزمنا ضعيف، فنمتثل لهم! لاشعوريًا ينغلق الشخص خائفًا دائمًا من نفسه، يخدع نفسه كل يوم مصدقًا أنه لا يمكن أن تكون حياته خطأ! لا يريد أن يُلاحظ ما هو واضح! لا يريد أن يعترف بأن الأشياء المألوفة لديه قد تكون مجرد وهم!  أوهام موروثة أو توقعات لا تُشبهنا! فيميل لأخذ دور المراقب الخارجي لنفسه في الواقع الذي خلقه له محيطه.


 

تعيش وفقًا لما صُمم لك مقيد بمعايير معينة حرفيًا محاصر تحت سيطرة ضغط هائل فتميل مجبرًا للامتثال وراء أهداف تم فرضها عليك لم تختارها بوعي، ولا ترغب بالقيام بها كأنها حياتهم أكثر من كونها حياتك، وتسأل بعد ذلك بكل بلاهة: "لماذا حياتي ضيقة هكذا؟ أين هي شخصيتي؟" ألم تشعر حقًا بأن عالمك مليء بالتلاعب؟ يتم التحكم بك بشكل مُفرط من قبل الأشخاص من حولك؟ 

 

استيقظ من الكابوس الذي تحياه ببساطة أنت تعيش حياة مزيفة، موقعك عالق في مكان خاطئ ولن تكون أبدًا أنت بشخصك في مثل هذا المجتمع. قد يقول البعض إنه على الأقل من المعقول العيش في سجن مريح بعيدًا عن الواقع الحقيقي إذا لم يكن ضارًا، ولكن هل سيعم السلام في عقلك وأنت تلعب دور زائف من السعادة الوهمية في عالم مزيف؟ فهل يا تُرى ستقبل عالمك هذا أم ستغامر في المجهول للبحث عن حياة حقيقية؟ أنت تستحق حياةً حقيقية لا نسخة مُصقولة من الوهم. 

 

إذا أردت أن تكتشف واقعك الحقيقي يجب عليك أن تُدرك قبل فوات الآوان حقيقة بيئتك، ولتتحرر من تلك القيود يجب أن تكون قادرًا على قول كلمة "لا"، وبعدها سيتعين عليك إشعال شرارة الفتيل التي بداخلك "استجماع الشجاعة" لمواجهتهم لكي تعيد خلق حياتك من جديد (مصيرك) كما تراه مناسبًا أنت لك ليس بمنظورهم. 


 

ثق بكلامي هناك عالم كامل في انتظارك على الأقل عالم حقيقي. الرحلة ليست بتلك السهولة ستتعثر أحيانًا، ولكن سينجح سعيك في النهاية. 

 

تذكر من الأفضل أن تدمر العالم المزيف الذي وُضع حولك بما في ذلك عالمك غير الحقيقي بدلاً من العيش في عالم يخضع للتلاعب المستمر من قبل الآخرين. خصوصيتك، وحياتك، وذاتك… كلها تستحق أن تُقاتل من أجلها.

 

📝بقلمي (لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير).

زُمردة

تعطُّشي لِلمعرِفةِ جعلنِي مُحِبة لِتَفسِيرِ ما أقرأُ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الإِتّصال