حكاية الجنية والحطاب بين الغابة والنجوم

هي حكاية شعبية خيالية كورية ذات طابعٍ مأساوي انتشرت في مختلف أنحاء العالم بما في ذلك اليابان والصين ومنغوليا وشمال شرق سيبيريا والهند وغيرها، ورغم اختلاف بعض التفاصيل بين روايات الشعوب فإن السياق الأساسي يظل متشابهًا إلى حد كبير، وغالبًا ما تُروى هذه الحكاية للأطفال لتعليمهم القيم الأخلاقية التي تتضمنها، فما هي حكاية الجنية والحطاب الكورية؟ هذا ما سنكتشفه معًا في هذه المقالة.

تُعرف هذه الحكاية بأسماءٍ عدة، أشهرها: "الجنية والحطاب"، أو "الحطاب والجنية" كما تُسمى أحيانًا "جنية جبل جيومجانغ" نسبةً إلى المكان الذي دارت فيه أحداث القصة بحسب بعض الروايات الشعبية.

يُحكى أنه في إحدى القرى النائية كان يعيش حطاب فقير برفقة والدته العجوز، وكان حلمه الوحيد أن يتزوج ويكون أسرة غير أن محاولاته المتكررة على مدار أكثر من ثلاثين عامًا باءت بالفشل، فما استطاع أن يجد من تقبل به زوجًا رغم صدقه وبساطته.

وذات يوم بينما كان الحطاب الطيب يقطع خشب إحدى الأشجار بعناية أقبل عليه غزال صغير من نوع "اليحمور" يعدو بسرعةٍ خاطفة، وقد ارتسمت على وجهه ملامحُ الفزع اقترب منه وهو يرتجف، وقال بتوسل: «أرجوك أنقذ حياتي! إنّ الصياد يطاردني!» فرد الحطاب وقد رق قلبه له: «اختبئ خلف كومة الحطب هناك» فما كان من الغزال إلا أن أسرع إلى حيثُ أشار له الحطاب، واختبأ هناك بصمتٍ شديد.

وما هي إلا لحظات حتى اقترب الصياد من الحطاب، وسأله بنبرةٍ حازمة : «هل رأيتَ غزالًا يمر من هنا؟» فأجابه الحطاب بهدوءٍ وبساطة: «نعم لقد رأيتُه منذ قليل يركض نحو الجهة المعاكسة للتل» فاكتفى الصياد بالإشارة شكرًا، ومضى في طريقه مبتعدًا عن الغزال والحطاب.


بعد أن أشار الحطاب للغزال بالخروج من مخبئه وقف الغزال أمامه ممتنًا معبرًا عن جزيل شكره لإنقاذه حياته، وفي مقابل هذا الجميل كشف له سرًا قد يمكنه من تحقيق حلمه. قال الغزال بصوتٍ هادئ: «سأُعلمك عن بحيرةٍ / نبعٍ خاص تستحم فيه الجنيات كل شهر إذا تجولتَ حول أعماق جبل جيومجانغ ستجد بركةً عميقة تسبح فيها الجنيات السماوية. عليك أن تستغل وقت استحمامهن، وما عليك إلا أن تخفي معطفًا مجنحًا لأحداهن الذي يتيح لهن الطيران، وبعد أن تفعل ذلك لن تتمكن الجنية من العودة إلى السماء، وستتمكن من اتخاذها زوجةً لك بشرط أن لا تكشف لها جناحيها حتى تلد لك ثلاثة أطفال أو أكثر».


فنفذ الحطاب ما قاله له الغزال بنجاح. اقترب سرًا من البركة ثم أخفى معطف الجنية المجنح، وبعد أن انتهت الجنيات من استحمامهن عادت جميعهن إلى السماء ما عدا الجنية الصغيرة التي لم تستطع الصعود فقد كانت عارية ووحيدة، فقال لها الحطاب إنه يملك معطفها المجنح، وأعرب عن رغبته في أن تكون زوجته. لم تجد الجنية خيارًا آخر سوى قبول رجائه، فتزوجت منه، وبعد زواجهما أنجبا طفلين جميلين.





ومع مرور الوقت بدأ يزداد اشتياق الجنية للسماء ولأهلها، وفي ذات يوم بدأ الحطاب يتفاخر بامتلاكه لمعطفها المجنح فتوسلت إليه أن يسمح لها بارتداء المعطف مرة واحدة فقط (تتظاهر بتجربتها)، وأحيانًا يُقال إنها طلبت منه بلطف أن يُريها إياه فاستجاب لتوسلاتها العديدة وسلمها المعطف. ارتدت الجنية الرداء المجنح بسرعة، وعانقت طفليها بين ذراعيها ثم صعدت بهما إلى السماء حيث حلقت بهما وكل واحدٍ منهما في ذراع تاركةً الحطاب وحيدًا على الأرض.





يذرف الحطاب الدموع ندمًا على غبائه لعدم استماعه لنصيحة الغزال بينما يبكي وينادي الجنية طوال الليل يظهر له الغزال، وفي بعض الروايات يُقال إنه ظهر له في حلمه، وبأي حال قال له الغزال: «ألم أخبرك أن لا تُعيد إليها رداءها المجنح حتى تلد لك ثلاثة أطفال وأكثر؟ هذا هو ثمن عدم استماعك لي» ثم أخبره بمعلومة مهمة: «في اليوم التالي عندما يطلع البدر سيتم سحب مياه الاستحمام للسماء في دلو كبير من البئر / البحيرة إذا سكبت الماء من الدلو ودخلت فيه ستتمكن من لقاء زوجتك وأطفالك مرة أخرى».



فنفذ الحطاب ما قاله له الغزال حرفيًا، ونجح في الصعود إلى السماء.

كرهت السماء الدلو قائلةً إنه يحتوي على إنسان، ومع ذلك ذهبت الجنية وتفقدت من يكون، وعاشت معه ومع أطفالها سعيدة لفترة قصيرة من الوقت.

بعد وقت ليس بقصير بدأ الحطاب يفتقد والدته التي تعيش على الأرض وحيدة (قلقًا عليها) عندها قدمت له زوجته الجنية حصانًا تنينًا لمساعدته في النزول إلى الأرض لبعض الوقت لزيارة والدته، ولكنها حذرته بشدة وقالت له: «لا تنزل منه أبدًا، ولا تضع قدميك على الأرض، وإلا يجعل الحصان يبكي ثلاث مرات».


ثم يركب الحطاب الحصان مُخاطرًا وينزل إلى الأرض حيث يلتقي بوالدته التي كانت تطهو عصيدة الفاصوليا الحمراء المفضلة لديه أو يُقال إنها عصيدة اليقطين. عندما قدمتها إليه وهي ساخنة حاول تناولها، وبغير قصد سقطت قطرات من العصيدة الساخنة على ظهر الحصان ففزع الحصان وقفز مفزوعًا مما أدى إلى سقوط الحطاب على الأرض ثم هرع الحصان إلى السماء متخليًا عن الحطاب (رفرف عائدًا إلى السماء).

يبكي الحطاب بمرارة ثم يتحول على الفور إلى ديك يصيح كل صباح عند الفجر ناظرًا إلى السماء قائلاً: «كوكو كو كوكو».

بين التقاليد والفن: تُستلهم قصة الحطاب والجنية في العديد من الأغاني والويبتون والمسرحيات، وتُدرس في الثقافة الكورية للمهاجرين. 

مكان البركة الحقيقية في الواقع: البركة التي ذُكرت في الحكاية تقع بالفعل في الواقع في منطقة أويجيونغبو على جبل جيومجانج (غُم كانغ)، وتحديدًا في بركة جامهو في كوريا الشمالية.

إصدارات متنوعة عن قصة الحطاب والجنية في بعض الإصدارات الأخرى من القصة تتغير مجريات الأحداث بشكل طفيف مما يضفي مزيدًا من الأبعاد الرمزية والتفسيرات المختلفة، وهذه بعض الإصدارات البارزة التي تم تداولها:

١) يبكي الحطاب بعدما يُترك وحيدًا بعد سقوطه على الأرض من على الحصان. ينظر إلى السماء كل يوم نادمًا على ما حدث ثم يموت ويولد من جديد على شكل ديك.

٢) يكون الحطاب يتيمًا ويعمل خادمًا لدى شخص ما فيقوم هذا الشخص بطرده، فيخرج الحطاب وهو يبكي ليجمع الحطب ثم يلتقي بالغزال الذي يخفيه كما في الإصدار السابق. يخبره الغزال بالسر، فيتزوج الحطاب من الجنية، وعندما تهرب الجنية يلحق بها الحطاب إلى السماء، ويعيشان معًا سعيدين هناك طوال العمر.

٣) كان تحذير الغزال للحطاب أن لا يُعيد ملابس الجنية المجنحة إلا بعد أن يكون لهما ثلاثة أطفال، ومع ذلك قام الحطاب بإعطائها المعطف قبل أن يكون لهما سوى طفلين فقط، فطارت الجنية هاربة بعد أن استعادت ملابسها المجنحة.

٤) كان تحذير الغزال للحطاب أن لا يُعيد ملابس الجنية المجنحة إلا بعد أن يكون لهما أربعة أطفال، ومع ذلك أعطاها الحطاب المعطف عندما كان لهما فقط ثلاثة أطفال فحملت الجنية أطفالها الثلاثة (اثنان بين ذراعيها وواحد على ظهرها أو في فمها ورفعتهم إلى السماء). لكن لماذا أمره الغزال بأن يكون عدد الأطفال أربعة؟ لأن الجنية حتى لو استعادت معطفها المجنح لن تتمكن من الطيران بهم جميعًا، وبالتالي ستظل على الأرض مع أطفالها (لن تتمكن من تركهم).

٥) لا يُظهر الحطاب أبدًا مكان ملابس الجنية فتعيش الجنية على الأرض حتى آخر يوم في حياتهما.

٦) لم يكن الحطاب مجرد بشر بل كان كائنًا سماويًا متجسدًا من جديد في عالم الإنسان.

٧) بعدما يتبع الحطاب زوجته إلى السماء يمنعه الإمبراطور يشم من البقاء هناك، و يسمح لهما باللقاء فقط في يوم واحد من كل سنة.

٨) يجد الابن الأكبر بدلة الجنية المجنحة عن غير قصد فيخبر والدته بذلك، فترتديها و تغادر أولًا حاملة الابنة الصغرى فقط ثم تعود إلى الأرض لتحمل الابن الأصغر، وعندما تعود لأخذ الابن الأكبر يرفض الذهاب معها مفضلًا البقاء مع والده، وبعد وفاة والده تطلب منه الجنية مرة أخرى أن يصعد معها لكنه يرفض ويجلس على الأرض، وفي إصدار آخر قيل إنه غادر معها.

٩) في النسخة اليابانية تقوم الجنية بنسج الأقمشة فيخرج الحطاب لبيع أعمالها، وبفضل الأرباح العائدة من المنسوجات يصبح ثريًا وقادرًا على شراء منزل جديد، وعندما حاول نقل مفروشاته القديمة إلى منزلِه الجديد تعثر الجنية بالصدفة على بدلتِها المجنحة فترتديها وتغادر إلى السماء.

١٠) في النسخة الكورية الشمالية تتخلى الجنية طوعًا عن حياتها المرفهة والمملة في السماء حتى بعد إيجادها لبدلتها المجنحة، وتعيش مع الحطاب حياة سعيدة حيث يكون قد هزم القراصنة اليابانيين أو الأمريكيين الأشرار.

١١) تعود الجنية وأطفالها مع الحطاب إلى عالم البشر، ويعيشون بسعادة دائمة هناك لمدة ثلاثة أجيال.

١٢) بعدما يصعد الحطاب إلى السماء يمر بالعديد من الصعاب منها أنه يجب عليه إكمال المهام التي يقدمها له الإمبراطور يشم مثلًا: العثور على السهم الذي أطلقه الإمبراطور أو اللعب معه في لعبة الغميضة، وما إلى ذلك... ووفقًا لنصائح الجنية له ينفذ المهام بنجاح فيوافق الإمبراطور على أن يعيش في الجنة مع أفراد عائلته الخاصة.

في نسخة أخرى كانت المهمة هي أن يخمن الحطاب أي من الأيدي التي قدمها له الإمبراطور يشم هي يد زوجته الجنية. اختار الحطاب أجمل يد، ولكن للأسف لم تكن يد زوجته إذ كانت يدها أخشن واحدة من بين الأيدي بسبب قيامها بجميع الأعمال الشاقة على الأرض، ونتيجة لذلك لم يتمكن الحطاب من مقابلة زوجته، وعاد إلى الأرض حزينًا.

١٣) يصعد الحطاب ووالدته إلى السماء ويعيشون جميعًا بسعادة أو بعد صعود الحطاب إلى السماء يطلب من زوجته الجنية أن يلتقي بوالدته فتُحضِرها له وتقرر أن تُبقيها معهم.

١٤) بعد نجاح الحطاب في جميع المهام تظاهر الإمبراطور بأن آخر مهمة له هي أن يُقسم له يقطينًا كبيرًا، وعندما شق الحطاب القرع انسكبت كمية كبيرة من الماء منه و شكلت نهرًا كبيرًا فصل بين الحطاب والجنية هذا النهر الكبير هو درب التبانة، والحطاب هو جيونوسونج، والجنية هي جيكنيو. تستطيع قراءة قصة الأسطورة بداخل الرابط الآتي أسطورة حُب جيونو و جيكنيو المُفجعة.

١٥) بعد بكاء الحطاب ظل ينتظر سرًا قرب البحيرة لعل زوجته الجنية تنزل لتستحم مع الجنيات، وحتى إذا لم يحدث ذلك كان ينتظر نزول الدلو مرة أخرى، ولكن دون جدوى ثم أصيب الحطاب بمرض في قلبه وتوفي قبل والدته العجوز.

١٦) كان الشاب فقيرًا يعمل كمزارع، وصُدفةً عندما كان يغسل يديه في الجدول رأى امرأة جميلة فتيقن أنها جنية، ومن نفسه أخفى بدلتها، وانتهى الأمر بالفتاة بالزواج منه، وبعد عشر سنوات من الزواج ووجود طفلين يجد الطفلان البدلة في العلبة / الخزانة فتلبسها وتغادر معهما.

١٧) كانت أم الشاب مريضة فأخبرته روح الجبل أن يذهب إلى مكان معين في يوم معين ليجد علاجًا لها ففعل ذلك، وبينما كان في طريقه وجد ملابس جميلة معلقة على غصن فتجول بها حول الأرجاء بحثًا عن صاحبتها، وانتهى به الأمر بمساعدة الجنية، ومكافأةً له على فعلته تعالج الجنية والدته من خلال إعطائها خوخًا من عالم السماء فشفيت وعلى هذا المنوال ما تبقى من بذور الخوخ يزرعه الشاب فتنمو شجرة وتثمر (اختفت القوة العلاجية، ولكن المذاق ما زال رائعًا).

ختامًا تبقى السماء موطنًا للحكاية، والأرض مسرحًا للفُقد، ونحن بينهما نُصغي ونأمل.

📝 بِقلمي (سُبْحَانَكَ اللهُـمّ وَبِحَمْدِكَ ،أشهد أن لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ).

زُمردة

تعطُّشي لِلمعرِفةِ جعلنِي مُحِبة لِتَفسِيرِ ما أقرأُ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الإِتّصال