في ركنٍ من أركان الأساطير الأوروبية القديمة يرفرف ظلُّ بجعةٍ بيضاء لا تسبح على صفحة الماء فحسب بل تغوص في أعماق المعنى حاملةً بين جناحيها صورةً خالدة للتضحية والحب المطلق، وفي هذه المقالة نغوص في جذور هذه الأسطورة المؤثرة، ونتعرف على أصلها، وتحولها من حكايةٍ شعبية إلى رمزٍ ديني وفني خالد.
كان يُعتقد في أوروبا القديمة خلال العصور الوسطى أن مجاعةً شديدة عمت البلاد في زمنٍ ما فخرجت بجعة أم في بحثٍ يائس عن الطعام، وبعد أن طال بحثها دون جدوى عادت إلى عشِّها خالية الوفاض لا تملك حيلةً ولا غذاء. كان صغارها الخمسة في انتظارها، وما إن رأوها حتى ضجوا حولها جوعًا ينقرون ريشها ويستغيثون بها فلم تجد البجعة الأم أمامها سوى أن تنقر صدرها بمنقارها الحاد دون أن تبالي بالألم ليسيل دمها وتُطعم به فراخها الجائعة مضحيةً بنفسها في مشهدٍ مؤلم فيه الحياة تولد من الجرح.
أما الأسطورة الثانية فتروي أن البجعة الأم تقتل صغارها في لحظة غضب بعدما تمردوا عليها وحاولوا إيذاءها واقتلاع عينيها، وبعد ثلاثة أيام من الحزن والندم تجرح نفسها وترشهم بدمها لتُعيد إليهم الحياة، وكأنها تمنحهم فرصةً جديدة، وفي رواية أخرى يُقال إنها حين ترى صغارها يحتضرون بعد أن لدغتهم الأفاعي تُطعِمهم من دمها لإنقاذهم ثم تموت بعد أن تمنحهم الحياة من جديد.
ما رمزية تمزيق البجعة الأم لصدرها لإطعام صغارها؟
بسبب هذه المعتقدات أصبح البجع رمزًا للتضحية والفداء في الثقافة الأوروبية، واعتُمد لاحقًا كرمزٍ مسيحي ليسوع المسيح الذي قُدِّم كذبيحةٍ كفارية لخطايا البشر فكما مزقت البجعة صدرها لتُحيي أبناءها بدمها كذلك قدم المسيح نفسه حسب المعتقد المسيحي فداءً للبشرية، ومنحهم الحياة الأبدية بدمه الذي يُتناول رمزيًّا حتى يومنا هذا في طقس القربان المقدس (الأفخارستيا) على اعتبار أنه ترياق الخلود، والفراخ هُم البشر المتعطشون للخلاص.
* استخدموا صورة البجعة في نصوصهم، والزخارف، والنقوش الحجرية، والمجوهرات الذهبية، واللوحات الفنية، والنوافذ الزجاجية الملونة، وسائر أشكال التعبير الرمزي و الجمالي.
![]() |
لوحة مشهورة للملكة إليزابيث الأولى تظهر على صدرها جوهرة على شكل بجعة، في إشارة رمزية إلى أنها تشبه البجعة الأم التي تفدي صغارها بنفسها، تمامًا كما تفدي الملكة وطنها وشعبها. |






_-_Portrait_of_Queen_Elizabeth_I_-_Google_Art_Project%20-%20Version%202.jpg)
