قصة بداية الخلق في الإسلام

الإنسان بطبيعته فضولي يتساءل عن مكانه في هذا الكون: من أين جاء الكون؟ وكيف بدأ أول الخلق؟ وكيف وُجدت المخلوقات؟ هذه الأسئلة فطرية ترافق البشر منذ القدم، وفي هذه المقالة سنستعرض قصة بداية الخلق في الإسلام. 

أولًا) الخالق: الإله الخالق لكل شيء هو الله تعالى، الأول واجد الوجود بلا بداية، ولم يكن شيء قبله ولا شيء معه.
لكل مخلوق خالق، والله
تعالى ليس بمخلوق، فليس له خالق ولا شيء قبله، ولكل شيء حادث مسبب، والله تعالى هو السبب الأول لكل شيء، فهو ليس حادثًا حتى يكون له محدث، بل هو خارج عن إطار المادة التي خلقها، وغير محكوم بقوانينها فهو الأول بلا بداية، والآخر بلا نهاية سبحانه وتعالى. 

         رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: «فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ: اقْبَلُوا البُشْرَى يَا أَهْلَ اليَمَنِ، إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ. فَقَالُوا: قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللّهِ، جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ، مَا كَانَ؟» فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ: «كَانَ اللّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ». فِي رِوَايَةٍ أخرى: «لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ»، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ غَيْرِ البُخَارِيِّ: «وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ» [حديث صحيح].

سؤال:"من خالق الله"؟ ليس محرجًا ولا مخالفًا للشريعة، بل النبي ﷺ سبق وأخبرنا أن هذا السؤال قد يخطر ببال الناس، وقد أرشدنا إلى التعامل معه بالاستعاذة بالله كما جاء في الحديث أدناه.

         رَوَى البُخَارِيُّ وَالمُسْلِمُ عن رسول الله ﷺ: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَن خَلَقَ كَذَا مِنْ خَلْقِ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَيَلِنْتِهِ» [حديث صحيح].  

هذا لا يعني إيقاف العقل أو منعه من التفكير، بل هو السلوك الصحيح للعقل لأن السؤال عند هذه النقطة يتجاوز حدود الفهم البشري ويخالف البديهيات العقلية لذلك يجب التوقف عند هذا الحد، وعدم الاسترسال في التساؤلات مع التعامل مع هذه الوسوسة كأنها وسوسة شيطانية لحماية العقل والإيمان معًا.

ثانيًا) الخلق:
١) العرش
ثم القلم: اختلف العلماء في أول المخلوقات التي خلقها الله تعالى فقال بعضهم: إنه القلم، وقال آخرون: الماء، وقيل: النور والظلمة، والصحيح والله أعلم وهو قول جمهور العلماء أن أول المخلوقات من الأشياء المعلومة لنا هو عرش الرحمن عز وجل ثم خُلق القلم الذي كُتبت به مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ (كل ما سيحدث مَقدر ومكتوب منذ الأزل إلى قيام الساعة).

         استُدلّ لذلك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» [حديث صحيح] فدل هذا الحديث على أن كتابة المقادير كانت بعد خلق العرش فثبت بذلك تقدم العرش على القلم الذي كُتبت به المقادير كما ذهب إلى ذلك جمهور العلماء

          احتجوا بالحديث الآخر على أن القلم هو أول ما خُلق من هذا العالم: عَن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:«إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللهُ القَلَمُ، فقال له: اكْتُبْ، قال: ربِّ وماذا أَكْتُبُ؟ قال: اكْتُبْ مَقاديرَ كُلِّ شيءٍ حتَّى تَقومَ السَّاعةُ» ، وفي لفظ: «لما خلق الله القلم قال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى قيام الساعة» [حديث حسن].

* العرش هو أكبر مخلوقات الله عز وجل، ولا يقدر قدره إلا الله سبحانه وتعالى كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الزمر، آية٦٧]، أما الكرسي فهو موضع القدمين وأصغر من العرش. 

تنويه: إذا كان كل ما سيحدث مقدّرًا ومكتوبًا منذ الأزل، فلماذا يبقى الإنسان مسؤولًا عن أفعاله واختياراته؟ الإنسان يمتلك إرادة حرة حتى لو علم الله مسبقًا بما سيحدث بمعنى أبسط علم الله بالقدر لا يجبر الإنسان على الفعل، بل يظل بإمكانه الاختيار بين الخير والشر، وبالتالي يُحاسب على ما اختاره وعمله (الإنسان ليس مجبرًا على أفعاله فهو مسؤول عن اختياراته).

٢) الأرض والسماء وما بينهما: بعد أن كتب الله مقادير الخلائق قبل خمسين ألف سنة أذن سبحانه بخلق الأرض والسماء، وكانت في البداية كتلة واحدة متماسكة (رتقًا أي متلاصقتين)، ففصل الله بينهما ثم جعل السماء تنقسم إلى سبع سماوات، والأرض سبع أراضٍ، وكان خلق ذلك كله في ستة أيام.       

         رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ" (رواه مسلم/ حديث صحيح)
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأنبياء، آية ٣٠]
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة، آية ٢٩].

اختلف المفسرون في مقدار هذه الأيام الستة على قولين: فذهب الجمهور إلى أنها أيام كالتي نعرفها نحن (كأيامنا هذه) بينما ذهب بعض العلماء مثل ابن عباس رضي الله عنه وغيره إلى أن كل يوم منها يعادل ألف سنة من سنين البشر.     

         ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [سورة الأعراف، الآية ٥٤] و [سورة يونس، الآية ٣] و [سورة الحديد، الآية ٤]
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [سورة هود، الآية ٧].

ما الحكمة من خلق السماوات والأرض في ستة أيام؟ أشار بعض العلماء إلى أن الله سبحانه وتعالى قادر على خلق السماوات والأرض في لحظة واحدة، فهو القادر على قول ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ على الوجه الذي أراد أن يكون عليه لكنه سبحانه أراد أن يعلم عباده التثبت والتأني في الأمور، والأخذ بالأسباب، والتدرج في فعل الأعمال ليُدرك الإنسان قيمة الصبر والتنظيم والتروي في حياته. 

         ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [سورة فرقان، آية ٥٩].
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [سورة السجدة، الآية٤].

ثم بأمر الله أخرجت الأرض ما فيها من مياه، ومرعى، وبحار، وجبال، وأنهار، وكل ما يتعلق بتضاريسها ومناخها من رياح، وسحب، ومطر، وكل مظاهر الحياة عليها، وبالتوازي خُلقت النجوم والكواكب ومجرات في السماوات. 

         ﴿وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ (٣٠) أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَآءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا (٣١) وَٱلۡجِبَالَ أَرۡسَىٰهَا (٣٢)﴾ [سورة النازعات]

ما يتعلق بخلق السماوات:

          قال العباس رضي الله عنه: "هل تدرون كم بين السماء والأرض؟" قلنا: "الله ورسوله أعلم". قال: "بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك العرش، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله فوق ذلك ليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء"[حديث ضعيف الأسناد].
شرح الحديث: يقول الحديث أن المسافة بين كل سماء والأخرى كأنها مسيرة خمسمائة سنة أي أن بين الأرض والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة سنة، وبين السماء الدنيا والسماء الثانية مسيرة خمسمائة سنة، وبين الثانية والثالثة مسيرة خمسمائة سنة، وهكذا حتى السابعة (المسافات متراكمة بين السماوات السبع)، وفوق السماء السابعة يوجد بحر عظيم ثم فوقه العرش العظيم.

ما سبب خلق النجوم؟ أن تكون زينةً للسماء، ورُجُومًا للشياطين تُقذف بها إذا استرقوا السمع، وعلاماتٍ يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ومعرفة الجهات والأوقات.

         ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك،الآية ٥]، ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ [النحل، الآية ١٦]، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام، الآية ٩٧].

*عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "إن هرقل كتب إلى معاوية، وقال: إن كان بقي فيهم شيء من النبوة فسيخبرني عما أسألهم عنه. فكتب إليه يسأله عن المجرة، والقوس، والبقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة واحدة". فلما أتى معاوية الكتاب والرسول، قال:"إن هذا الشيء ما كنت آبه له أن أسأل عنه إلى يومي هذا، من لهذا؟" قيل: "ابن عباس"، فطوى معاوية كتاب هرقل، فبعث به إلى ابن عباس، فكتب إليه: "أما المجرة فهي الأثر الذي يظهر في السماء بعد المطر، وأما القوس فهي أمان لأهل الأرض من الغرق، وأما البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة واحدة فهي البحر الذي انفلق لبني إسرائيل"[حديث إسناده صحيح].
شرح الحديث: هرقل كتب إلى معاوية يسأله عن الظواهر الغريبة في السماء والأرض، فأرسل معاوية هذه الأسئلة إلى ابن عباس رضي الله عنه. أخبر ابن عباس أن المجرة والقوس يقصد بهما قوس قزح بعد المطر، وهو علامة أمان من الغرق أي أن الله جعل هذا القوس علامة أمان بعد المطر ليطمئن الناس إلى أن الأرض صالحة ولم تتعرض للفيضانات الغريبة أما البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة واحدة، فتشير إلى البحر الذي انشق لموسى وبني إسرائيل أي الظاهرة العجيبة التي حدثت في معجزة الانشقاق.

         البحر المحيط بسائر أرجاء الأرض وما ينبثق منه في جوانبها مالح الطعم، وملوحته تحمي صحة الهواء من الفساد الناتج عن تحلل الكائنات الميتة.
سألَ رجلٌ رسولَ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ و سلَّمَ فقال يا رسولَ اللهِ إنَّا نركَبُ البحرَ ونحملُ معنا القليلَ من الماءِ فإن تَوضَّأنا به عَطِشْنا أفنتوضَّأُ من ماءِ البحرِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ و سلَّمَ هو الطَّهورُ ماؤهُ، الحلُّ ميتتُه"[حديث صحيح] أما الأنهار فماؤها عذب وحلو صالحة للشرب والري جارية بحسب الحاجة، ومنها الكبيرة والصغيرة، وهي رزق من الله للعباد.

٣) خلق الملائكة وصفاتهم عليهم السلام: لا يُعرف على وجه الدقة متى خُلقت الملائكة أكان ذلك قبل خلق السماوات والأرض أم بعدهما إذ لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة الصحيحة ما يحدد ذلك، والله أعلم غير أن الثابت بالقرآن أنهم كانوا موجودين قبل خلق آدم حين أخبرهم الله تعالى بخلقه، قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة، الآية ٣٠].

خلق الله تعالى الملائكة من نور، وقد ورد في حديث صحيح عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله ﷺ أنه قال: «خلق الله الملائكة من نور، والجن من نار، وآدم مما خلق لكم»، وذكرهم القرآن الكريم في كثير من الآيات، ويصفهم بأنهم يمتازون بالقوة في العبادة (دائموا الطاعة)، وفي الخلق، وحسن المنظر، وعظمة الأشكال، ولديهم القدرة على التشكل في الصور المتعددة عند الحاجة لأن صورهم الحقيقية فوق إدراك البشر لكي لا نفزع من عظمتهم كما أن لكل ملك وظيفة محددة تختلف حسب درجته وواجباته مثل:

* جبريل عليه السلام يُعرف بالروح الأمين، وهو الوسيط بين الله تعالى والأنبياء ينقل الأوامر والتعليمات والرسائل الإلهية بدقة.
كان يأتي إلى النبي ﷺ بصفات متعددة تار
ة في صورة دحية بن خليفة الكلبي وأحيانًا في صورة أعرابي أو في صورته الأصلية التي خُلق عليها، وقد رآه النبي ﷺ مرتين بهذه الهيئة، وله ستمائة جناح، وبين كل جناحين ما بين المشرق إلى المغرب، ويُسقط من أجنحته جواهر نفيسة كـ الدرّ والياقوت.

          ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (١٩٣)﴾ [سورة الشعراء].
عن أحمد في المسند عن ابن عمر قال: "وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه و سلم في صورة دحية" [حديث صحيح على شرط مسلم].
عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت النبي ﷺ عن هاتين الآيتين: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» و«وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً»، فقال ﷺ: "إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين. رأيته منهبطاً من السماء، سادّاً عِظَمُ خلقه ما بين السماء إلى الأرض"[حديث صحيح].
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم حدثنا شريك عن جامع بن أبي راشد عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:"رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل من الدر والياقوت ما الله به عليم" [قال ابن كثير في هذا الحديث: إسناده جيد].

تنويه: التبليغ بأوامر الله أخرى كالبشارة أو العذاب أو الأخبار قد يشارك فيه غيره من الملائكة الآخرون.
* ميكائيل عليه ال
سلام موكل من الله بالمطر (القطر) وما ينبت من نبات، وما ينتج عنه من أقوات وأرزاق للعباد، وينفذ ذلك بمساعدة أعوانه من الملائكة.

           عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لِمَا لَا أَرَى مِيكَائِيلَ ضَاحِكًا قَطُّ؟" قَالَ: "مَا ضَحِكَ مِيكَائِيلُ مُنْذُ خُلِقَتِ النَّارُ".
حكم الحديث: قد صَحَّحَهُ الشيخ الألباني مع أنه "ضعيف" لكنه له شواهد تقويه مما يجعله مقبولًا للاستئناس به في الترغيب أو الترهيب "حسن".
تفسير الحديث: يوضح مدى جدية الملائكة وخشيتهم من الله تعالى في أداء مهامهم.
ذكر الطبري وغيره في التفسير: أن ميكائيل عليه السلام يُبعث مع كل قطرة مطر ملكًا ليضعها في موضعها من الأرض (أعوانه يفعلون ما يأمرهم به بأمر من ربه) وهذا القول تفسير تأويلي للتوضيح، وليس حديثًا ثابتًا عن النبي ﷺ، ويُعتبر مجازًا لبيان دقة تنظيم الله في توزيع الأرزاق.

* مُنكر ونكير عليهما السلام يُسمَّيان فاتنا القبر، وهما مَلَكان يأتيان إلى الميت في قبره بعد أن يُدفن فيسألانه عن ربه ودينه ونبيه، فيفتن الميت بذلك فيثبت الله المؤمن بالقول الثابت، ويُخذل المنافق والكافر ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ [ سورة إبراهيم، الآية ٢٧] أجارنا الله من فتنة وعذاب القبر، وثبتنا بالقول الثابت آمين.

           قال النبي ﷺ:«ولقد أوحي إليَّ أنَّكم تُفتَنون في القبورِ مِثلَ أو قريبًا مِن فتنةِ الدَّجَّالِ، يؤتى أحدُكم فيُقالُ له: ما عِلْمُك بهذا الرَّجلِ فأمَّا المؤمنُ أو الموقِنُ فيقولُ: محمَّدٌ رسولُ اللهِ جاءنا بالبيِّناتِ والهدى فأجَبْنا وآمنَّا واتَّبَعْنا فيُقالُ له: نَمْ صالحًا قد علِمْنا إنْ كُنْتَ لمؤمنًا وأمَّا المنافقُ أو المرتابُ فيقولُ: لا أدري، سمِعْتُ النَّاسَ يقولونَ شيئًا فقُلْتُه» [روته أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة رضي الله عنهما، وهو حديث صحيح متفق عليه].
شرح الحديث: تحكي أسماءُ بنت أبي بكر أنها دخلت على عائشة وقد خرج الناس لصلاة الكسوف فصلت معهم حتى كاد يغشى عليها من طول الصلاة وشدة الحر ثم بعد انجلاء الكسوف خطب النبي ﷺ وأخبر أنه رأى كل شيء في صلاته حتى الجنّة والنار، وأن الناس سيتعرضون لفتنة القبر كفتنة المسيح الدجال، وهي من أعظم الفتن وأشدّها، وبيّن ﷺ أنّ المؤمن إذا سُئل في قبره قال: هو محمد رسول الله، جاء بالبيّنات والهدى فآمنا به واتبعناه، فيُقال له: نم صالحًا. أمّا المنافق فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون فقلت.
أما ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:«إذا قُبِرَ الميتُ أتاه ملكانِ أسودانِ أزرقانِ يُقالُ لأحدِهما المنكرُ والآخرُ النكيرُ فيقولانِ ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ؟ فيقولُ هو عبدُ اللهِ ورسولُه أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأن محمدًا رسولُ اللهِ فيقولان قد كنا نعلمُ أنك تقولُ هذا ثم يُفسحُ له في قبرِه سبعون ذراعًا في سبعينِ ثم يُنوَّرُ له فيه ثم يُقالُ نَمْ فيقولُ أرجعُ إلى أهلِي فأخبرُهم فيقولان نمْ كنومةِ العروسِ الذي لا يُوقظُه إلا أحبُّ أهلِه إليه حتى يبعثَه اللهُ من مَضجعِه ذلك وإن كان منافقًا قال سمعت الناسَ يقولون فقلت مثلَهم لا أدرِي فيقولان قد كنا نعلمُ أنك تقولُ ذلك فيُقالُ للأرضِ التئِمِي عليه فتلتئمُ عليه فتختلفُ أضلاعُه فلا يزالُ فيها معذبًا حتى يبعثَه اللهُ من مضجَعِه ذلك» [حديث حسنه الألباني في صحيح الترمذي].

* تنويه: ورد في بعض المصادر أن الملك الموكل بالجنة يُسمى رضوان إلا أن هذا الاسم لم يثبت في الأحاديث الصحيحة، وإنما ورد في بعض الأحاديث الضعيفة، فقد قال ابن عثيمين: «أما رضوان فموكل بالجنة، واسمُه هذا ليس ثابتًا ثبوتًا واضحًا كثبوت مالك خازن النار لكنه مشهور عند أهل العلم والله أعلم»، وقال ابن القيم في حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح: «قد سمى الله سبحانه وتعالى كبير هذه الخزنة رضوان، وهو اسم مشتق من الرضا».
*الملائكة ال
موكلون بالنار يُسمّون الزبانية، وعددهم تسعة عشر، وخازن النار هو مالك

         ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَّانِيَةَ(١٨)﴾ [سورة العلق] ، ﴿عَلَيْهِمْ تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [سورة المدثر،الآية ٣٠] ،  ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ) [سورة غافر،الآية ٤٩] / قال تعالى: ﴿وَنَادَوۡاْ يَٰمَٰلِكُ لِيَقۡضِ عَلَيۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّٰكِثُونَ (٧٧) لَقَدۡ جِئۡنَٰكُم بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَكُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ (٧٨)﴾ [سورة الزخرف] .

* ملائكة موكَّلون بكتابة أعمال العباد سواء الخير والشر هما "رقيب وعتيد".

            قال تعالى: ﴿ إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) ﴾ [سورة ق]، وقال تعالى : (وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ (١٠) كِرَامٗا كَٰتِبِينَ (١١) يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ (١٢)﴾ [سورة الانفطار] .
قال رسول الله ﷺ : (إنَّ اللَّهَ ينهاكُم عنِ التَّعرِّي فاستحيُوا منَ اللَّهِ والَّذين مَعكُمُ الكِرامِ الكاتِبينَ الَّذينَ لا يُفارِقونَكم إلَّا عندَ إحدى ثلاثِ حالاتٍ الغائطِ والجنابةِ والغُسلِ فإذَا اغتَسلَ أحدُكُم بالعَراءِ فلْيستُرْ بِثوبِهِ أَوْ بِجِذْمِ حائِطٍ أَوْ بعيرِهِ)[حديث ضعيف الإسناد].
قال الله تعالى ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [سورة الإسراء الآية ٧٨]، وقد أجمع المفسرون أن المراد بالآية هو أن صلاة الفجر من الصلوات التي تُرفع فيها الأعمال، ويشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار.

* ملك الموت له ذكر في القرآن، ولم يُصرح باسمه في الآيات ولا في الأحاديث الصحيحة، وقد جاءت تسميته أحيانًا في بعض الروايات الإسرائيلية بعزرائيل والله أعلم، والصحيح أن يُسمّى "ملك الموت" كما سماه الله تعالى ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة، الآية ١١]، وله أعوان من الملائكة يقومون باستخراج روح العبد من جسده حتى تبلغ الحلقوم ثم يتولاها ملك الموت بيده فلا يتركها حتى يوضعها في الكفن المناسب كما جاء في قوله تعالى ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ [سورة الأنعام] .

           أعوان ملك الموت وفقًا لتفسير الطبري وابن كثير يختلفون بحسب حال الميت فالمؤمنين يأتونهم ملائكة بيض الوجوه والثياب، طيبة الأرواح، يأتون بالسلام والبشرى كما جاء في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل، الآية ٣٢] أما عند قبض الكفار والفجرة فقد أشار تفسير ابن عباس ومجاهد إلى أن الملائكة تكون سوداء أو شديدة المظهر يقبضون الروح بقسوة وعذاب كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال، الآية٥٠].

* ملائكة حملة العرش وقد ذكروا أنهم ثمانية ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ و ملائكة حول العرش وصفهم بالتسبيح والاستغفار للذين في الأرض بظهر الغيب ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾[سورة غافر، الآية ٧]

            عَن أُمِّ الدَّرْدَاءِ وَ أَبِي الدَّرداءِ رَضيَ اللهُ عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ» [حديث صحيح].

* هاروت وماروت هما ملكَيْن مُرسلَان للبشر في بابل كفتنة واختبار ﴿ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ [ سورة البقرة، الآية ١٠٢].

* ملائكة موكلون بحفظ بني آدم كما قال تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (١١)﴾ [سورة الرعد، الآيات١٠ و ١١]، والمعقبات من أمر الله هي الملائكة، وقد ثبت عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبي أمامة وغيرهم من السلف أنّ مع الإنسان ملائكة يحفظونه في يقظته ومنامه من الآفات والمهالك، ويدفعون عنه ما لم يُقدر عليه فإذا جاء قضاء الله وقدره تخلوا عنه، وهذا التفسير مروي في تفسير الطبري وغيره بإسناد، وهو المعتمد عند جمهور المفسرين.

تنويه) المعلومات التالية غير مذكورة صراحة في القرآن الكريم وقد تم استنتاجها من بعض الروايات والتفاسير: سكان السموات السبع منهم من هو راكع دائم، ومنهم القائم دائم، ومنهم الساجد دائم، ومنهم من يتعاقبون زمرة بعد زمرة إلى البيت المعمور كل يوم سبعون ألفًا، لا يعودون إليه آخر ما عليهم، ومنهم الملائكة الموكلون بالجنات، الذين يهيئون الكرامة لأهلها، ويعدون الضيافة لساكنيها من ملابس ومصاغ ومساكن ومآكل ومشارب، وما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
أحاديث عن الملائكة وشرحها:
١) عَنْ أبي طَلْحَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: «لا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتًا فِي
هِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ» [الحديث صحيح] والمقصود بهذا النوع من الملائكة هم ملائكة الرحمة والاستغفار الذين يمتنعون عن دخول البيوت المليئة بالصورة أو الكلب أما الملائكة الحافظة والموكلة بقبض الأرواح وحفظ أعمال العباد فهم يدخلون كل بيت ولا تفارقهم مراقبة الإنسان في كل حال لأنهم مأمورون بإحصاء أعماله ومراقبته ليلاً ونهارًا، ويستثنى من النهي عن اقتناء الكلاب كلب الصيد أو الحراسة.
٢) عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّ
ى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلَا جَرَسٌ» [حديث صحيح] والمقصود من هذا الحديث أن الملائكة التي تمتنع عن المرافقة هي ملائكة الرحمة بينما الملائكة الحافظة لا تفارق العباد في حلّهم وترحالهم، ويفسر النهي عن الجرس بأنه مزمار من مزامير الشيطان، وفيه تشبه بناقوس النصارى.
٣) عن أَبي هُرير
ةَ رضي الله عنه قالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وملائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ وصلاةِ العصْرِ ثُمَّ يعْرُجُ الَّذِينَ باتُوا فِيكم، فيسْأَلُهُمُ اللَّه وهُو أَعْلمُ بهِمْ: كَيفَ تَرَكتمْ عِبادِي؟ فَيقُولُونَ: تَركنَاهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ، وأَتيناهُمْ وهُمْ يُصلُّون» [حديث صحيح]. هذا الحديث يوضح أن الملائكة موكلون بمراقبة أعمال العباد طوال الليل والنهار، ويرفعون أخبارهم إلى الله تعالى.
٤) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله
ﷺ:«ما منْكم من أحدٍ إلَّا وقد وُكِّلَ بِهِ قرينه من الملائكة وقرينه من الجن. قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: "وإيَّايَ إلا أنَّ الله أعانني عليه فأسلم» [حديث صحيح]. المقصود من الحديث أن لكل إنسان ملكًا يرشده و يهديه إلى الخير، وشيطانًا يوسوس له ويغويه للشر وأما النبي ﷺ فالشيطان الذي كان من المفترض أن يغويه لم يفلح في ذلك لأنه تحت حماية الله وأسلم أي لم يتمكن من عرقلة هدايته.
٥) رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن سَلَكَ طَريقًا يَطلُبُ فيه عِلمًا سَلَكَ اللهُ به طَريقًا إلى الجنَّةِ، وإنَّ المَلائكةَ تَضَعُ أجنِحَتَها لطالِبِ العِلْمِ رِضًا بما يَصنَعُ، وإنَّه لَتَستَغفِرُ له دَوابُّ البَحرِ حتى الحيتانُ في البَحرِ، وإنَّ فَضلَ العالِمِ على العابِدِ كفَضلِ القَمَرِ لَيلةَ البَدرِ على الكَواكِبِ، وإنَّ العُلَماءَ وَرَثةُ الأنبياءِ، إنَّ الأنبياءَ لم يَدَعوا دينارًا ولا دِرهَمًا، ولكِنَّهم وفي حديثِ زاهِرٍ: ولكنْ وَرَّثوا العِلْمَ؛ فمَن أخَذَ به، وقال زاهِرٌ: فمَن أخَذَه فقد أخَذَ بحَظٍّ وافِرٍ» [الحديث صحيح].
يُبين هذا الحديث الشريف فضل طلبِ ا
لعلم ومكانة العلماء بين الناس حيث أن من يسلك طريقًا يبتغي فيه العلم يسلك اللهُ به طريقًا إلى الجنّة، والمقصود بالعلم هنا هو العلم النافع بِكُلِّ فُروعِه (المعرفة الصالحة)، وفي مقدمته العلم الشرعي الذي ورثه العلماء عن الأنبياء لأنه الهداية التي تُقرب الإنسان إلى ربه وتفتح له أبواب الخير والفلاح في الدنيا والآخرة، وقد كرم الله تعالى طالب العلم بأن تضع الملائكة أجنحتها احترامًا ورضا لما يصنع من أجل الخير والعلم بل إن خلق الله كله حتى دواجن البحر الحيتان يستغفر له ويشهد له بالفضل، ويحيطه نوع من الرحمة الإلهية في كل مكان، ويمثل فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على الكواكب أي أن نور العالم في هداية الناس وعلمه يضيء الطريق أكثر من العبادة وحدها دون التقليل من قيمة العبادة، ويختتم الحديث بالتأكيد على أن العلماء ورثة الأنبياء الذين لم يورثوا مالًا أو كنوزًا بل ورثوا العلم، ومن أخذه فقد أخذ نصيبًا عظيمًا من الخير والهداية والعمل الصالح.
٦) الإمام أحمد : حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ للَّهِ ملائِكةً سيَّاحينَ في الأرضِ يبلِّغوني عن أمَّتيَ السَّلامَ» [حديث صحيح على شرط مسلم].
يُبيّن الحديث أن الله سبحانه وتعالى جعل ملائكة سياحين في ال
أرض لمراقبة أحوال الناس ونقل السلام على النبي ﷺ فإذا سلَّم أحد من هذه الأمة على النبي ﷺ بلغوه سلامه أي يُخبرونه: "إن فلانًا سلَّم عليك".
٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ ﷺ قال: «ما من أحدٍ يسلِّمُ عليَّ إلَّا ردَّ اللَّهُ عليَّ روحي حتَّى أردَّ عليْهِ السَّلامَ» [إسناده حسن وقيل ضعيف].
يُبيّن الحديث أن كل من يسلم على النبي ﷺ بالتحية (السلام عليك يا رسول الله)، فإن الله سبحانه وتعالى يُرجع روح النبي ﷺ ليتمكن من الرد على هذا السلام (إعادة الروح للنبي ﷺ على وجهٍ لا نعلم كيفيته
).
للعلم العلماء أخت
لفوا في عمومه (هل هذا الردّ الخاص يحصل لمن كان عند قبره فقط؟ أم يحصل لكل من سلّم عليه أينما كان؟) فذهب جمهورهم كالإمام أحمد وابن تيمية وغيرهما إلى أنه خاصٌّ بمن يسلّم على النبي ﷺ عند قبره لأن السلام المذكور فيه سلام تحية يشبه سلام اللقاء في الحياة، ولأن هذا الحديث هو الذي اعتمد عليه الأئمة في باب زيارة قبره، ولأن الأحاديث الأخرى التي فيها تبليغ الملائكة للسلام من البعيد لا يُذكر فيها رد الروح فدل على خصوصية السلام عند القبر، وذهب آخرون إلى عموم الحديث لكل من سلّم عليه ﷺ قريبًا أو بعيدًا لأن ظاهر لفظه غير مقيّد، ولورود أحاديث بأن صلاتنا وسلامنا يبلغانه أينما كنّا، والراجح أن رد السلام الخاص المذكور في الحديث إنما يكون لمن وقف عند قبره ﷺ أما البعيد فسلامه وصَلاته يبلغانه بواسطة الملائكة دون تلك الخصوصية.
٨) قال البخاري: حدَّثنا أحمدُ بن يُ
ونس، حدَّثنا إبراهيمُ بن سعد، حدَّثنا ابنُ شِهاب، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن والأغرّ، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، كانَ علَى كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ المَسْجِدِ مَلائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الأوَّلَ فالأوَّلَ، فإذا جَلَسَ الإمامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وجاؤُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» [حديث صحيح]، والمقصود بهذا الحديث أنّ الملائكة الكرام يكتبون أسماء من يأتون مبكِّرين لصلاة الجمعة مرتَّبين بحسب سبقهم فإذا صعد الإمام المنبر للخطبة توقَّفوا عن الكتابة، وطوَوا صحفهم ثم دخلوا ليستمعوا الذكر مع الناس.
٩) إِذَا أمَّنَ الإ
مَامُ، فأمِّنُوا، فإنَّه مَن وافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، وقالَ ابنُ شِهَابٍ وكانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: آمِينَ» [حديث صحيح] والمقصود به أن في الصلاة الجهرية عندما يقول الإمام "آمين" بعد الفاتحة يجب على المأموم أن يقول "آمين" مع خشوع وإخلاص، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة يُغفر له ما تقدم من ذنوبه.
١٠) عن أبي هر
يرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: « إذا قالَ الإمامُ : سمعَ اللَّهُ لمن حمدَهُ ، فقولوا : ربَّنا ولَكَ الحمدُ ، فإنَّهُ من وافقَ قولُهُ قولَ الملائِكَةِ غُفِرَ لَه ما تقدَّمَ من ذنبِهِ» [الحديث صحيح] والمقصود إنه عندما يقول الإمام في الصلاة بعد الرفع من الركوع: "سَمِع اللهُ لِمَن حَمِدَه" يجب على المأمومين أن يقولوا بعد ذلك "اللَّهُمَّ ربَّنا لك الحمدُ"، ومن وافق قوله قول الملائكة يُغفر له ما تقدم من ذنوبه.
١١) حدثنا أبو كريب حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صال
ح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إنَّ للَّهِ ملائِكَةً سيَّاحينَ في الأَرضِ فضلًا عن كتَّابِ النَّاسِ، فإذا وَجدوا أقوامًا يذكُرونَ اللَّهَ تَنادوا: هلمُّوا إلى بُغيتِكُم، فيَجيئونَ فيحفُّونَ بِهِم إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيَقولُ اللَّهُ: أيَّ شيءٍ ترَكْتُمْ عِبادي يَصنعونَ، فيقولونَ: ترَكْناهم يحمَدونَكَ ويمجِّدونَكَ ويَذكرونَكَ، قالَ: فيَقولُ: هل رَأَوني، فيقولونَ: لا، قالَ: فيقولُ: كيفَ لو رَأَوني؟ قالَ: فيقولونَ: لو رأَوكَ لَكانوا أشدَّ تحميدًا، وأشدَّ تمجيدًا، وأشدَّ لَكَ ذِكْرًا، قالَ: فَيقولُ: وأيُّ شيءٍ يطلُبونَ؟ قالَ: فيقولونَ: يطلُبونَ الجنَّةَ، قالَ: فيقولُ: فهل رأوها؟ قالَ: فيقولونَ: لا، قال فَيقولُ: فَكَيفَ لو رأَوها؟ قالَ: فيقولونَ: لو رَأَوها؟ لَكانوا أشدَّ لَها طلبًا، وأشدَّ عليها حِرصًا، قالَ: فيقولُ: فَمن أيِّ شيءٍ يتعوَّذونَ؟ قالوا: يتعوَّذونَ منَ النَّارِ، قالَ: فيقولُ: فهل رأَوها؟ فيقولونَ: لا، فيقولُ: فَكَيفَ لو رأَوها؟ فيقولونَ: لو رأوها لَكانوا أشدَّ منها هَربًا، وأشدَّ منها خوفًا، وأشدَّ منها تعوُّذًا، قالَ: فيَقولُ: فإنِّي أشهدُكُم أنِّي قد غَفرتُ لَهُم،فيقولونَ: إنَّ فيهم فلانًا الخطَّاءَ لم يُردهُم إنَّما جاءَهُم لِحاجةٍ، فيقولُ: همُ القومُ لا يَشقى لَهُم جَليسٌ» [حديث صحيح] المقصود بالحديث أن الله عز وجل يرسل ملائكة يطوفون الأرض ويراقبون المجالس التي يُذكر فيها الله فإذا وجدوا جماعة يذكرونه يخبرون الله بما يفعلون: يسبحون ويحمدونه ويطلبون الجنة ويتعوذون من النار رغم أنهم لم يروا الله أو الجنة أو النار فإن ذكرهم وحرصهم على الطاعة يغفر لهم، وحتى من حضر معهم دون قصد مباشر للذكر ينال فضل ذلك لمجرد مجالسته للذاكرين لأن مجالسة أهل الذكر سبب للخير والبركة.
١٢) قال الإمام أحمد: حدَّثنا أبو معاوية، حدَّثنا الأعمش، واب
ن نمير، أخبرنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ  «مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن يَسَّرَ علَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عليه في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَن سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فيه عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ له به طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ، وَما اجْتَمع قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بيْنَهُمْ؛ إِلَّا نَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ، وَمَن بَطَّأَ به عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ به نَسَبُهُ» [حديث صحيح].
يُبين هذا الحديث أن من فرج عن مؤمن همًّا أو ضيقًا في الدنيا كافأه الله بتفريج كُ
رَب يوم القيامة، ومن أعان محتاجًا أو مديونًا يسَّر الله له أمره في الدنيا والآخرة، ومن ستر عيوب أخيه المسلم ستره الله من الفضيحة في الدنيا ويوم القيامة كما يؤكد أن الله تعالى يعين عبده ما دام العبد في عون إخوانه، وكأن الجزاء دائمًا من جنس العمل، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه العلم سهل الله له به طريقًا إلى الجنة لأن العلم نور يهدي إلى العمل الصالح، وكذلك فإن المجتمعين على قراءة القرآن وتدارسه ينالون السكينة والرحمة وتحيط بهم الملائكة ويُذكرون في الملأ الأعلى عند الله، وهو شرف عظيم، ويختتم الحديث ببيان أن من قصر عمله لم ينفعه شرف نسبه ولا مكانة عائلته فالتفاضل عند الله بالأعمال لا بالأنساب، وبذلك يكون الحديث دعوة شاملة إلى الإحسان، والتعاون، والستر، وطلب العلم، والاجتماع على الذكر مع التذكير بأن النجاة والفلاح إنما تكون بالعمل الصالح وحده.
١٣) قال رسول
الله ﷺ: «إذا دعا أحدُكم امرأتَه إلى فراشِه فأبتْ أنْ تجيءَ لعَنتْها الملائكةُ حتَّى تُصبِحَ» [الحديث صحيح باتفاق أهل العلم] غير أن التأمل المنطقي في معناه يثير إشكالًا من جهة العدالة في المعاملة بين الزوجين إذ يجعله يبدو ضعيفًا من الناحية المنطقية (كأن الوعيد موجه للمرأة فقط) حيث ذهب جمهور المفسرين إلى أن المرأة تُلعن إذا امتنعت بلا عذر شرعي بينما الرجل إذا أعرض عن زوجته لا يُلعن، وإنما يُعد آثمًا مستندين في ذلك إلى القول بأن شهوة الرجل أشد، وأن على المرأة الصبر عليه لكن لو كان التفسير أن الطرفين يُعاقبان على التقصير بالقدر نفسه ذا تعمّدا الإضرار بالآخر لكان ذلك أعدل وأقرب إلى ما جاء في القرآن من المساواة بين الزوجين في الحقوق والواجبات: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ [البقرة، آية ٢٢٨] وبذلك يستقيم المعنى، ويزول ما قد يبدو من إشكال أو للأسف هذا الحديث في حقيقته لم يكن صحيحًا عن رسول الله ﷺ والله أعلم.
تنويه: الأسباب التي لا تدخل
أبدًا تحت حكم الامتناع المذموم هي تلك التي تكون فيها المرأة عاجزة أو مريضة أو مرهقة أو منهارة نفسيًّا أو واقعة تحت ضغطٍ يفوق قدرتها ففي هذه الحالات يكون الامتناع مباحًا بلا أي مؤاخذة كما يُعد الخلاف المؤلم بين الزوجين عذرًا معتبرًا إذا كان يحتاج إلى إصلاح قبل أي اقتراب، وكذلك شعورها بالخوف أو الأذى أو فقدان الأمان بسبب شدة أو قسوة في التعامل فهذه الأعذار مقررة شرعًا وعقلًا، ولا يدخل معها أي وعيد لأن العلاقة الزوجية في الإسلام تقوم على الرحمة والراحة والسكينة لا على الإكراه أو الضغط أو استعمال الجسد أداةً للسيطرة.
❖ اختلف الناس في مسألة المفاضلة بين الملائكة وجنس البشر على عدّة أقوال:
* القول الأول: تفضيل الأنبياء وصالحي البشر على الملائكة، وهو
مذهب جمهور أهل السنّة والجماعة، واستدلوا بعدة أدلة منها:
١) قَولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الدخان، الآية ٣٢] .
٢) قَولُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [سورة آل عمران، الآية ٣٣] .
٣) قال ابنُ القَيِّمِ: (سُئِلَ أي: ابنُ تَيمِيَّةَ عن صالحي بني آدَمَ، والمَلائِكةِ: أيُّهما أفضَلُ؟ فأجاب بأنَّ صالحي البشَرِ أفضَلُ باعتبارِ كَمالِ النهايةِ، والمَلائِكةُ أفضَلُ باعتِبارِ البدايةِ فإنَّ المَلائِكةَ الآنَ في الرَّفيقِ الأعلى مُنَزَّهون عما يلابِسُه بنو آدَمَ، مُستغرِقون في عبادةِ الرَّبِّ، ولا رَيبَ أنَّ هذه الأحوالَ الآنَ أكمَلُ من أحوالِ البَشَرِ، وأمَّا يومَ القيامةِ بعد دُخولِ الجنَّةِ، فيصيرُ حالُ صالحي البشَرِ أكمَلَ مِن حالِ المَلائِكةِ، وقد استدلّوا لذلك بأدلة كثيرة يطول ذ
كرها تجدها مفصلة في فتح الباري وتفسير القرطبي، وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل، وتتفق أدلة الفريقين، ويُوفق بين القولين.
* القول الثاني: تفضيل الملائكة على البشر مطلقًا، وممن ذهب إلى هذا القول ابن حزم والمعتزلة، وغيرهم.. . واستدلوا بعدة أدلة منها:
١) قَولُ اللهِ تعالى في بني آدَمَ: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ
خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [سورة الإسراء، آية ٧٠] . قال ابنُ حزمٍ: (إنما فَضَّل اللهُ تعالى بنَصِّ كَلامِه عَزَّ وجَلَّ-بني آدَمَ على كثيرٍ ممَّن خلق لا على كُلِّ من خَلَق، وبلا شَكٍّ أنَّ بني آدم يَفضُلون على الجِنِّ وعلى جميعِ الحيوانِ الصَّامِتِ، وعلى ما ليس حيوانًا، فلم يَبْقَ خَلقٌ يُستثنى من تفضيلِ اللهِ تعالى بني آدَمَ عليه إلَّا المَلائِكةُ فقط).
٢) قَولُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُل لَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [سورة الأنعام، آية ٥٠] . قال ابنُ حزمٍ: (فلو كان الرَّسولُ أرفَعَ مِن الملَكِ أو مِثْلَه، ما أَمَر اللهُ تعالى رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يقولَ لهم هذا القَولَ الذي إنما قاله مُنحَطًّا عن الترفُّعِ بأن يُظَنَّ أنَّه عنده خزائِنُ اللهِ، أو أنَّه يَعلَمُ الغَيبَ، أو أنَّه مَلَكٌ مُنَزِّلٌ لنَفْسِه المقَدَّسةِ في مرتبتِه التي هي دونَ هذه المراتِبِ بلا شَكٍّ؛ إذ لا يمكِنُ البتَّةَ أن يقولَ هذا عن مراتِبَ هو أرفَعُ منها)
* القول الثالث: التوقف والسكوت عن التفضيل.
الواجب
علينا الإيمان بالملائكة والنبيين، وليس علينا أن نعتقد أي الفريقين أفضل فإن هذا لو كان من الواجبات لبينه الله ورسوله نصًّا، وقد قال النبي ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» والله تعالى أعلم.
٤) خلق الجان والشيطان:
وبهذا نكون قد استعرضنا مراحل خلق الله تعالى الأولى من الخالق جل وعلا، ومرورًا بالعرش والقلم، وخلق السماوات والأرض، والنجوم، والأرض وما فيها من بحار وجبال وأنهار، وانتهاءً بخلق الملائكة ومما يجب التنويه إليه أن بعد الملائكة خلق الله الجن والشياطين ثم آدم عليه السلام كبداية للبشرية، ولكل من هذه المخلوقات خصائصه وأحكامه وقصصه، وسيُفصَّل ذلك في مقالات لاحقة مستقلة إن شاء الله بحيث نتعرف على كل مخلوق على حدة ونسبر أغوار حكم الله في خلقه.
📝بقلمي: ما ورد في هذا المقا
ل هو اجتهاد شخصي مستند إلى قراءتي لكتاب البداية والنهاية لابن كثير، وأسأل الله العلي العظيم أن يغفر لي أي خطأ أو نقص أو عدم دقة فيما كتبت، وأن يثبتني على الحق.

زُمردة

تعطُّشي لِلمعرِفةِ جعلنِي مُحِبة لِتَفسِيرِ ما أقرأُ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الإِتّصال