مسلسل غرباء من الجحيم

❖عن ماذا تدور أحداث المسلسل؟  الحكاية تدور حول شاب فقير ينحدر من خلفية متواضعة، ولتحقيق أحلامه الكبيرة ينتقل إلى مدينة غير مألوفة له (غريبة عنه تمامًا)، وهُناك يلجأ للعيش في سكن مُشترك يُدعى "استوديو عدن"، وهو مبنى قذر صغير مكتظ بالمُستأجرين الغُرباء الذين ينذرون بالخطر، وهُنا تبدأ الأمور في الانحدار ما يجعله يشعر بتهديد خفي ووحدة خانقة فيتصاعد الخوف لديه. هل تؤثر البيئة على سلامة الإنسان العقلية؟ هل يمكن أن تُسلب منه ذاته تدريجيًا حتى يفقد السيطرة على نفسه؟ هل من الممكن أن يتحول إلى الوحش الذي طالما خاف أن يخرج من داخله؟

✦ أنا في الغالب أجد نفسي أتحرك أثناء مشاهدة مسلسلات من هذا النوع، ولكن هذا المسلسل كان مختلفًا تمامًا، حيث ثبتني وأسر انتباهي حقًا من البداية حتى النهاية. النص مكتوب بشكل مثالي والشخصيات متقنة والحوارات نابضة بالحياة، والأحداث مشوقة إلى أقصى حد… كل شيء في المسلسل كان مثاليًا! لكن للأسف يظل عيبهُ الوحيد الذي سيجعلُك تشعر بِخيبة أمل كبيرة هو عدد الحلقات (حقيقة أنه لا يوجد سوى ١٠ حلقات فقط بدون جزء ثانٍ). إذا كان مثلاً يحتوي على ٢٠ حلقة لكان ذلك سيكون مثاليًا مثاليًا مثاليًا بِكُل المقاييس. أجد نفسي أطالب وأتوسل وسأتسول من أجل جزء آخر... أرجو بشدة أن يأتي ذلك اليوم الذي نرى فيه استمرارًا لهذه القصة الرائعة!

❖ هذه الدراما جعلتني أُدرك أن في داخل كل إنسان شيطانًا: كُلًا منا يحمل ضغائن، وكل منا يحلم أن يعتلي قمة هرم الحياة مهما كانت الوسيلة… فما الحل لإيقاف نمو هذا الشيطان الداخلي؟
البيئة هي من تُغذي الوحش الكامن في أعماقك، وتضعك بين المطرقة والضغط الشديد حتى تختنق فغادر قبل أن تبتلعك! بالنسبة لـ "جونغ وو" كان يُسيطر جزئيًا على شيطانه في بلدته الصغيرة لكن عند انتقاله إلى سيول وتحت وطأة الضغط الشديد والقمع والعزلة خرج الشيطان أخيرًا وابتلعه تمامًا. كان مُحاصرًا داخل واقعه النفسي وداخل تصورات الآخرين عنه مما جعله يشك بنفسه ويُكذب مشاعره، ويتوه بين ما يراه وما يُقال له... فخسر نفسه قبل أن يخسر أي شيء آخر.
❖ تذكر دائمًا:

١) كن لطيفًا مع الجميع فأنت لا تعلم كم يُكافح البشر لإبقاء شياطينهم حبيسة داخِلِهِم. كل إنسان غريب بطريقته، وإن جاز لي التعبير فنحنُ جميعًا نُخفي ما لا يُسر البشر ونُقمعه خوفًا أو خجلًا أو احترامًا.
٢) أنت… أنت وما في ذهنك ينبغي أن يبقى هناك.. ذلك الكائن الغامض... الغير المرئي الذي يسكنك أحيانًا ككابوس أو صوت هامس ليس أنت مكانه هُناك في الظلال في الزاوية المعتمة من تفكيرك فلا تُحرره، ولا تصدق أنه أنت… لأنه ببساطة ليس كذلك.

❖ تفسير النهاية (يختلف بحسب تجربة كل شخص) ولهذا، سأستخدم كلمة "رُبما":

١) رُبما مات طبيب الأسنان إذا أخذنا في الاعتبار أن "سيو مون جو" قد ضحى بنفسه وبمكانه (استوديو عدن) كخطوة رمزية ليدفع "يون جونغ وو" إلى إدراك الحقيقة الكبرى: أنهُ لا يختلف عنه في الجوهر. لقد قتل "الخالق = سيو مون جو" نفسه ليصنع "خليفة = يون جونغ وو") الذي سيحمل الإرث ويُكمل المسار. زرع في "جونغ وو" أفكارًا جهنمية طوال الوقت، وكان يعلم أن لحظة الانفجار قادمة لا مُحالة… وأن "جونغ وو" في نهاية المطاف لن يتمكن من كبح الوحش الكامن فيه.

✦ ما رآه "جونغ وو" لم يكن هلوسة بل كان تحولًا إدراكيًا جعله يرى الحقيقة ذاتها التي رأى بها "أن مو جو" الواقع من قبل] لذلك بدأ يتصرف بسلوكيات جديدة مظلمة ومربكة ليحل محله ليس فقط في المكان بل في الدور والرسالة أيضًا. قد يكون "سيو مون جو" قد مات جسديًا لكنه ما زال حيًا داخل عقل "يون جونغ وو"، ينبض بهواجسه، ويتكلم بأفكاره، ويحرك سلوكياته.

✦ الأدوية التي كانت تُعطى له من قِبل سيدة النُزل لعبت دورًا خفيًا في تغذية اضطرابه، وربما ساهمت في إشعال انفعاله الأخير دون أن يدرك أنها كانت تُثقل عقله، لا تُسكنه أما الشرطية فهي الأخرى ضحية للمكان، ضحية لما رأت وعاشت (تعاني من اضطراب ما بعد الصدمة) فبعد أن لاحظت أن "مو جو" كان يُطاردها بالفعل، كانت معرفتها بهويته الحقيقية أكثر رعبًا من كل ما سبق… فالخطر حين يكون مألوف الوجه، يكون أشد فتكًا.

✤ هل "يون جونغ وو" هو القاتل الحقيقي؟ ربما لم يكن هناك "مون جو" إلا كصوت داخلي، صوت الشر الذي يتغذى على القهر والعزلة والوحدة. ربما لم يكن "جونغ وو" سوى منفذ لكل تلك الجرائم لكن دون وعي منه، ودون أن يُدرك أن يداه تلطخت، وأن روحه هي من انزلقت في الظلمة. قد يكون مصابًا ب "انفصام الشخصية" أعني يعيش فيه شخصان نقيضان: الأول الضحية (الحالم البريء)، والآخر الجلاد (الذي يُنفّذ الانتقام بلا رحمة) أو ربما بكل بساطة يُعاني من "الفصام الذهني" حيث تتجلى الهلوسات كآلية دفاع نفسي تُبعده عن الواقع القاسي الذي لا يحتمل رؤيته لأن إدراكه بأنه هو القاتل كان كفيلًا بتحطيمه كليًا… (لم تكن الجروح على جسده بارزة حين كان في المستشفى)، وهذا يعني أنه في لحظة الانهيار نسي كل ما ارتكبه، وجعل من خياله قناعًا يُخفي به الشيطان الذي بداخله.

٢) ربما لم يمت "مون جو" فكُل العلامات تشير إلى أن موته لم يُؤكد. ألم يكن في بداية القتال هو الأقوى؟ ألم نره يُطيح بـ "يون جونغ وو" كدمية خرقاء على الباب؟ أين هي جثته؟ لم تُعرض بل انحرفت الكاميرا بذكاء لتخفيها، وكأنها تقول "لا تصدّق كل ما تراه" حتى الشرطة…لم تذكر أنه مات (أنهم وجدوا جثته). في المشاهد الأخيرة (جرائم القتل الأخرى)، يُظهر "يون جونغ وو" عدوانية مفرطة: يضرب ويقتل كأن وحشًا ما قد استيقظ داخله وأيضًا في لحظة مريبة… تدخل الضابطة المصعد وتلمح "مون جو" للحظة ثم ترى السوار ذاته يلتف حول معصم "يون جونغ وو" السوار الذي قال "مون جو" عنه: "هذا رمز شراكتنا الأبدية" فهل سلمه له؟ أم أن هذه مجرد هلوسة؟ وهل هي حقًا هلوسة؟! و يوجد مشهد المطاردة ذلك الأسلوب الذي عرفناه من أول الحلقات: مراقبة وخطوات خفيفة ونظرات خلف الزجاج... الضابطة تشعر بشيء… كما لو أن أحدهم يُلاحقها... هل هذه مصادفة؟ أم أن وحش "استوديو عدن" لا يزال يتجول في الطرقات؟ لا يزال حيًا! ثم هناك عبارة واحدة على باب العيادة"مغلقة مؤقتًا"، وليس "تم الإغلاق نهائيًا" كأن شخصًا ما… سيعود.. إذن "مون جو" حي! قرر أن يترك بوابته مفتوحة قليلاً تلميحًا لزيارة أخرى.

٣) ربما كل ما شاهدناه منذ الحلقة الأولى وحتى الأخيرة لم يكن واقعًا بل مجرد خيال في عقل "يون جونغ وو". من الممكن أنه كان يكتب رواية منذ البداية، وفي نهاية الحلقة حين قال: "لنكتب نهاية قصتك" قد يكون يقصد نهاية الرواية التي يكتبها لا نهاية واقعية أعني أن كُل ما عشناه معه لم يكن إلا داخل كتاب .. داخل خيال.. داخل وهم كبير (لم تكن أحداثًا حقيقية بل كانت أحداثًا مُتخيلة).

المُشاهدة الأولى كانت بتاريخ ١٥ أبريل ۲۰۲۱، ثم الاعادة في ٣ ديسمبر۲۰۲۲.

⚜︎ المسلسل مُقتبس من ويبتون يحمل الاسم ذاته، ويحتوي تقريبًا على ٨٨ فصلًا (يوجد اختلافات في الأحداث بين الدراما والويبتون). 

تنويه: شرح المواضيع التي طُرحت في المسلسل موجود في مدونتي، ويمكنك قراءتها بالاطلاع على الروابط التالية: مقالة عن مبدأ طبيعة الشر، ومقالة شرح مقولة "غرباء من الجحيم"، ومقالة مُلخص لكتاب التحول لفرانز كافكا.

زُمردة

تعطُّشي لِلمعرِفةِ جعلنِي مُحِبة لِتَفسِيرِ ما أقرأُ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الإِتّصال